“ثقافة الترحيب” باللاجئين.. ماضٍ تمحوه إجراءات ترحيلهم

ريتشارد فوكس.

بدت ألمانيا لفترة طويلة كنموذج مثالي لسياسة اللجوء، وظلت المستشارة ميركل والبلاد تزهوان في نور ثقافة الترحيب، إلا أن أعمال الإرهاب التي تورط فيها لاجئون والنقص في الاندماج غيَرا الوضع، وبات الحديث يدور حول عمليات الترحيل.

“سننجح في إنجاز ذلك”.. ليس هناك جملة شبيهة تفوهت بها أنغيلا ميركل أثارت جدلاً سياسيًا داخليًا مماثلاً لهذا الاعتراف من المستشارة الألمانية الذي يعد بأن ألمانيا ستتجاوز تحديات أزمة اللجوء. البعض أشاد بموقفها بلا حدود والبعض الآخر انتقدها بقوة. وانهالت أقلية صغيرة وعنيفة من اليمينيين المتطرفين عليها بتعليقات الكراهية والغضب.

وعلى الساحة الدولية نالت ميركل كمستشارة بهذه الجملة الاحترام بحكم أنها حولت الأهمية السياسية المتزايدة لألمانيا على مستوى العالم إلى سياسة لجوء منفتحة. فحتى البابا فرانسيس والرئيس باراك أوباما لم يتوانيان في الإشادة بها. والكثير من الصور من صيف 2015 كشفت مظاهر “ثقافة الترحيب” الألمانية الجديدة. فكان هناك مساعدون متطوعون يزودون إلى حد الإنهاك لاجئين بمواد غذائية وألبسة.
كما ظهر لاجئون يلوحون بفرح بالعلم الألماني للتعبير عن شكرهم، فألمانيا كشفت من جديد على غرار ما سُمي “أسطورة الصيف” أثناء بطولة كأس العالم لكرة القدم 2006 عن وجه منفتح وصديق للعالم. ولقد أُنجز الكثير، لأنه في أقل من ثلاث سنوات استقبلت البلاد أكثر من 1.5 مليون لاجئ.

ثقافة الترحيب في نهايتها

لكن النشوة الغامرة حلت محلها الواقعية على جميع المستويات. وفي الأثناء سادت نبرة متشككة في الجدل حول الهجرة. فالاعتداءات الإرهابية في فورتسبورغ وأنسباخ ومؤخرًا في برلين حولت الأمن الداخلي إلى موضوع محوري لحملة الانتخابات البرلمانية.
كما ساد نوع من خيبة الأمل بين صفوف اللاجئين، فالنقص في عروض تعلم الألمانية والإمكانيات الضيقة للم الشمل العائلي والصعوبة في ولوج سوق العمل تجعل من بعض الجهود من أجل الاندماج تذهب هباءً منثورًا، بل إن الآلاف استفادوا من برامج العودة الطوعية إلى الوطن. وعندما كان الحديث في البداية يدور حول فرص الهجرة، ساد الآن التساؤل حول كيفية إعادة اللاجئين المرفوضة طلباتهم إلى أوطانهم.
والحركات اليمينية الشعبوية التي شحنت الأجواء بشعارات قومية غذت النقاش ومارست الضغوط على الأحزاب الحاكمة. وعلى هذا النحو فإن صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” مرتبط بنهجه ضد الإسلام واللاجئين.

غونتر بوركهارت، مدير أعمال منظمة “برو آزول” المدافعة عن اللاجئين يؤكد أن سياسة ترحيب ميركل لم تعد موجودة: “فصيف الترحيب أعقبه شتاء طويل”. والمؤشر الواضح على ذلك، حسب بوركهارت هو أن مكتب الهجرة واللاجئين بدأ تحت ضغط قوي من الحكومة الألمانية في معالجة طلبات اللجوء بسرعة فائقة.
قضية فرانكو أ. وانعكاساتها

وسادت الاتهامات بأن هناك الكثير من الأخطاء في النظام المعتمد، إذ تتم معالجة سريعة ومليئة بالأخطاء لطلبات اللجوء بغية التخلص من أكبر عدد ممكن من طلبات اللجوء ورفضها. وأصدرت عدة منظمات مدافعة عن حقوق الإنسان وثيقة تطالب فيها بمراجعة الأخطاء واستدراك النواقص.
وما أكد صحة هذه الفجوة هو قضية فرانكو التي كشفت عن نقاط الضعف في نظام منح اللجوء: فهذا الجندي من الجيش الألماني ألقي القبض عليه في نهاية نيسان\أبريل بتهمة الإرهاب، والمثير هو أن فرانكو سجل نفسه لدى مكتب الهجرة واللاجئين كطالب لجوء سوري، وحصل فعلاً على وضع لاجئ. ولم يكن فرانكو يتحدث العربية، وهذا لم يثير اهتمام الموظفين المعنيين. وعليه أمر وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزيير بفحص لاحق لآلاف ملفات طلبات اللجوء.

عمليات ترحيل أكثر، وقليل من الشعبويين

وبالنظر إلى إحصائيات اللجوء يظهر أن سياسة اللجوء المتشددة أتت بالثمار، لأن العدد المرتفع لطلبات اللجوء المرفوضة زاد في الشهور الخمسة الأوائل لعام 2017: فحتى نهاية مايو/ أيار تم رفض 107 آلاف طلب لجوء، بينها 32 ألف طلب مقدمة من أفغان. وفي 2016 رفض مكتب الهجرة واللاجئين نحو 260 ألف طلب لجوء. وتم وقف ترحيل الأفغان لفترة مؤقتة نظرًا لبعض الهجمات الدامية في بداية يونيو/ حزيران، إلا أن بوركهارت من “برو آزول” متأكد من أن الحكومة الألمانية ستستأنف عمليات الترحيل، وذلك يعود أيضاً لأسباب داخلية: “هذا له علاقة أكثر بسحب البساط من تحت أرجل الشعبويين وليس بالوضع الأمني في أفغانستان”.

ويعارض وزير الداخلية الألماني هذه الأطروحات بانتظام، ويقول: “إنه في حال تنفيذ عملية ترحيل، فإن ذلك يعني فقط تنفيذ القانون القائم، وليس إجراء سوء من الدولة”.

لكن المثير للاهتمام هو أن جملة “سننجح في إنجاز ذلك” تغيرت نبرتها بعد عامين من أوج أزمة اللجوء.

المصدر دويتشه فيليه.