الرئيسية » باب مفتوح » تكوين الهوية الجنسية لدى الأطفال

تكوين الهوية الجنسية لدى الأطفال

ميسون أبو زغيب.

 يجد كثير من الأهالي صعوبة في التعاطي مع أطفالهم عندما يتعلق الموضوع بالجنس، ولا يتم تقييم الوضع بالوعي المطلوب، حيث تأتي مرحلة على الطفل يبدأ خلالها بطرح العديد من الأسئلة فيما يتعلق بالجسد والهوية الجنسية.

هذه المرحلة طبيعية لدى الطفل، فالطفل في مراحل عمره الأولى يمتاز بحب الاستكشاف والفضول، لذا يلجأ لأكثر الأشخاص ثقة في حياته وهم الوالدين. هنا يسأل الأهل:

هل هذا الوضع طبيعي؟ ما الذي ينتمي لتطور الطفل الجنسي؟ متى يتجاوز الطفل حدوده؟ ما العمل عند تعرض طفلي لاعتداء جنسي؟

الحديث عن الجنس الطفولي ليس أمرًا بديهيًا، خاصة لدى كثير من الأسر العربية التي تعيش هنا في المانيا، لأن الحديث عن الجنس بالثقافة العربية (تابو)، كثير من الأمهات تتعرض لصدمة عندما يطرح عليها طفلها أسئلة جنسية. علما أن الوعي الجنسي لدى الأطفال يبدأ في مراحل مبكرة سواء في الروضات أو في صفوف المدرسة بالمرحلة الابتدائية.

كيف تتعامل الأم أو الأب مع هذه المخاوف؟

لقد قمنا بطرح مجموعة من الأسئلة، على أخصائية علم النفس والكلام وتعديل السلوك، وأخصائية الاضطرابات الدكتوره سهام حسن من مصر، لمساعدة الأهل في الإجابة على الأسئلة التي ذكرت.

لفتت د. حسن أن هناك الكثير من الالتباس حول ماهية مفهوم الجنس لدى الأطفال، لأن معرفة التطور الجنسي للأطفال والإجراءات المرتبطة بهذا التطور يسهل عملية الحكم بهذه المرحلة، معرفة الحد الفاصل بين النشاط الجنسي والاعتداء الجنسي بين الأطفال، هذا بحد ذاته دافع وشرط أساسي لحصول الأهل على التثقيف الجنسي الناجح.

هل يعتبر النشاط الجنسي لدى الطفل طبيعيًا؟

تؤكد د. حسن أن لا علاقة للنشاط الجنسي لدى الأطفال، بمفهوم الجنس الذي يقوم على تحفيز الأعضاء التناسلية. فالجنس لدى الأطفال هو حالة غريزية وعفوية، مرتبطة بكافة الحواس. فلا يستطيع الطفل التمييز بعد بين الرقة والمداعبة الجنسية التناسلية، بعيدًا عن المعايير الاجتماعية، فالطفل لم تطور لديه بعد مشاعر الخجل.

هل لدى الطفل في الواقع مشاعر جنسية؟

إن الطفل الرضيع له تجارب جنسية، وتنمو هذه المشاعر بشكل غريزي ودون وعي، فالطفل حديث الولادة يتعلم الجنس من خلال الاتصال الجسدي مع الأم، واللمسات مع الآخرين أثناء مداعبته من أجل طمأنته والعناية به، من خلال الرضاعة الطبيعية من ثدي الأم، مص إصبعه، مص زجاجة الحليب، أو أثناء لمس جسده،  يشعر الطفل بقبول الآخرين وحبهم له، فيعلم أن جسده محبوب وثمين.

وعندما يبدأ الطفل بالتقاط الأشياء بيديه، فهو يبدأ باستكشاف جسده. عندما يتم العناية بجسده وملامسة أعضائه، يكتشف الطفل أن هذا شعور جميل، ويمكن له أن يختبره شخصيًا خاصة بين عمر السنة والسنتين.

حتى أن الطفل قد يحلو له اللعب بعضوه، ويمكن أن يحدث له الانتصاب، وهذا وضع طبيعي ولا يدعو للقلق، فهو ترجمة لوضعٍ يشعر فيه الطفل بشكل جيد للغاية، بعيدًا عن مفهوم الانتصاب لدى البالغين. وهذا أيضا يعد طبيعيًا في مرحلة النمو الجنسي لديه.

ومع اكتساب اللغة يتشكل لدى الطفل وعي جنسي جديد، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعلاقته بجسده، يعي الطفل في هذه المرحلة الاختلافات الجنسية بين بنت وولد، بين رجل وامرأة. ويرغب بمعرفة الأشياء بمسمياتها، وتنمو رغبته بمعرفة كيفية قدومه لهذا العالم، ويبدأ بطرح الأسئلة؛ أين نشأ وتكوّن؟ وهذا هو الوقت المثالي لتوضيح الأمور لهذا الطفل.

الطفل والجنس من سن 3-6 سنوات:

يهتم الأطفال في هذه المرحلة أكثر فأكثر بالجنس الآخر من زملاء اللعب. هنا يتم تأكيد هويته الجنسية بالمقارنة مع نفس الجنس، واستكشاف الجنس الآخر. ويفهم الأطفال أكثر في هذه المرحلة عن طريق لعبة تبادل الأدوار، كلعبة الطبيب والمريض، التي يتم خلالها فحص الآخر من الرأس حتى أخمص القدمين، وفي أحيان كثيرة عراة بدون ملابس.

الأطفال يدركون في هذه المرحلة جيدًا أن ما يفعلونه يجب أن لا يكون على مرأى الأهل أو أولياء الأمور، يغلقون الأبواب أو كما في الكثير من الروضات في الحمامات، وما على البالغين إدراكه أن هذه الألعاب ليس فيها أي رغبة جنسية كما لدى البالغين أو المراهقين، بل هي محصورة في إطار الفضول الطفولي، لاستكشاف الجنس الآخر للتأكد من هويتهم الجنسية كما الآخرين.

وقد تنشأ مشاعر جميلة، ولكنها فقط تعزز ثقتهم في تصورهم الحسي. لذا ينصح الكثير من علماء النفس باحترام هذه الرغبة في العلاقة بين الأطفال، طالما يشعرون بشعور جميل أثناء هذه اللعبة، ولمنحهم فرصة اشباع مشاعر الفضول، وبالتالي التراجع التلقائي حول مسألة الجسد.

والطريقة المثلى للتعامل مع هذه اللعبة في حال تم اكتشافها من قبل الأهل، أن يتم التروي والهدوء، ولا يجوز إطلاقًا استخدام التعنيف اللفظي أو السلوكي، لأن ذلك يكرّس في أذهانهم أن هذا النشاط سلبي وغير محبذ.

بل يجب طرح السؤال بشكل طبيعي كما في الألعاب الأخرى: ماذا تلعبون؟ عندها يروي الأطفال النشاط ويصبح الآخر غير مهم مع الوقت؛ بالأخص في حال الولد والبنت، لأن التعنيف قد يجعل الطفل يكرر الفعل عدة مرات أخرى وبشكل سرّي.

وكوننا نعيش مع تسارع في وسائل الإعلام والفضائيات، فقد يرى الطفل بالخطأ مشاهد حميميّة على شاشة التلفزيون، هنا نتوقع تقليد الطفل لهذه المشاهد، وهنا يجب ضبط النفس، وينصح أن يفهم الأهل هذا السلوك من خلال السؤال.

مع ضرورة الحديث مع الطفل والتأكيد له على أن تتم اللعبة برضاه؛ حتى لا يتم استغلاله في مثل هكذا ألعاب من قبل الأطفال الأكبر سنًا وبشكل سرّي، وبالتالي الاعتداء الجنسي عليه.

ولمنع إساءة استخدام هذه اللعبة يجب تشجيع الطفل مرارًا وتكرارًا على رفض مالا يرغب من الألعاب، والتوضيح له أن جسده له فقط.

كيف يكون الطفل هويته الجنسية في رياض الأطفال؟

ما بين الثلاث والست سنوات، يجرب الأطفال دور الجنسين في المستقبل، البنين يتعاطون مع القوة البدنية والعنف، أما الفتيات فيلعبن دور الأميرات، ويجربن لعب دور الأب والأم من خلال الدمى.

والرغبة لدى الأطفال في هذه المرحلة هي نزعة أنانية؛ بمعنى لو أراد الطفل التقرب والتودد من أحدهم، فإن ذلك لأن الطفل يحب نفسه ولديه رغبة ذاتية وفقًا لحاجاته النفسية، وليس تعبيرًا عن مودته لهذا الشخص.

كيف يتم مرافقة تطور الطفل الجنسي في سن مبكرة؟

تنصح الأخصائية النفسية سهام حسن، الأهل بأن يأخذوا بعين الاعتبار أن الجنس هو من حياة البشر، ويرافقهم طوال حياتهم. ويبدأ التثقيف الناجح منذ الولادة عن طريق:

  • منح الطفل إحساس الجسد الإيجابي في مراحل نموه، فعند العناية اللطيفة معه ومع جسده، يكبر لديه شعور التقدير لذاته ولجسده.
  • عدم كبح جماح الطفل في مرحلة اكتشافه لجسده، لأن عملية اكتشافه هذه تطور لديه مشاعر الجسد بشكل صحي، وتعزز ثقته بنفسه، وهذا يساعده على تمييز نفسه وخصوصيته عن الآخرين، وقدرته على قول “لا” في حال الاعتداء الجنسي.

ختامًا، من المهم توعية الأطفال والحديث معهم، وعدم اعتبار الحديث الجنسي من الممنوعات في البيت، لأن الطفل قد يتعرض لتحرش جنسي، ويمنعه خوفه من الحديث عن ذلك لأمه أو أبيه ويضطر للسكوت. كما تجب محاولة التقرب من الطفل بشكل يومي، ومتابعة تفاصيل يومه سواء في رياض الأطفال أو في المدارس، لخلق قناة حوار وتواصل بين الأهل والطفل.

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

اغتصاب الأطفال السوريين، جريمة النظام المسكوت عنها

ما من جريمة نأت بنفسها عن السوريين تقريبًا خلال ست سنوات من الحرب. المجازر، التعذيب، القصف، الكيماوي… غير أن جريمة واحدة لا تزال في حكم المسكوت عنها: اغتصاب الأطفال. سواءً في زنازين النظام أو على الحواجز أو أثناء المداهمات، أبناء وبنات المعارضين، أولئك الثوار الصغار ...