الرئيسية » باب شرقي » لاجئون أم سكان جدد؟

لاجئون أم سكان جدد؟

 

إيهاب يازجي

 كان صعبًا جدًا تجاهل ماقالته معلمة اللغة الألمانية، والإشاحة بوجهي عن كلماتها، والنظر من نافذة الصف نحو الخارج، وكأن الموضوع لا يعنيني ولا يخصني مطلقًا، عندما استشاطت المعلمة غضبًا من سلوك إحدى الطالبات الساذج أثناء الدرس، لتنهال عليها بسيل من الكلمات والعبارات القاسية، بحجة عدم التزامها واحترامها لقواعد ونظام الصف.

حينها لم تنتظر المعلمة كثيرًا أثناء توبيخها تلك الطالبة حتى تتوجه بكلماتها إلى الطلاب السوريين، مغيرةً حديثها إلى واقعة الاعتداء بالحرق التي جرت في إحدى محطات القطار في برلين، (عندما حاول مجموعة من اللاجئين السوريين إضرام النار برجل مشرد كان يفترش أحد أرصفة المحطة) بالقول “نحن الألمان نعمل طيلة اليوم وندفع من أموالنا لكم، لكي تتعلموا وتبدؤوا حياتكم من جديد في ألمانيا، وأنتم لا تبالون ولا تقدرون حجم الفرص التي نقدمها لكم، بل على العكس تمامًا! هل قرأتم الأخبار هذا الصباح؟ هل علمتم بما قام به اللاجئون السوريون؟ لقد حاولوا إحراق رجل ألماني مشرد! هل هذا ما نستحقه منكم بعد أن فتحنا لكم أبوابنا واستقبلناكم وقدمنا لكم كل ما قدمناه..الخ”

لم أغضب من المعلمة حينها بقدر غضبي من هؤلاء الشبان على هذا السلوك الهمجي الذي يرفضه كل من ينتمي إلى عالم الإنسانية. التزمت الصمت حينها ثم توجهت إلى المعلمة بعد انتهاء الدرس، طالبًا منها أن تسمع رأيي فيما قالت. ناقشتها بهدوء تارةً وبانفعال تارةً أخرى، معاتبًا مُحقاً مرةً، وخائبًا ملامًا في أخرى، قلت ما لدي وقالت ما لديها..

ما أود قوله الآن، وبعد هذه الحوادث والاعتداءات الإجرامية والإرهابية التي وقعت في ألمانيا وكان خلفها لاجئون -إدانةً أو اتهامًا- هو: هل بتنا نحن اللاجئين، وأنا أفضل مصطلح السكان الجدد، أمام عقبة جديدة لا تقل أهمية وإحراجًا عن باقي التحديات والعقبات التي نعيشها كل يوم خلال سعينا لإيجاد موطئ قدم لنا ومستقبلاً في مجتمعاتنا الجديدة، هل هو تحدِ جديد يتحتم علينا فيه إثبات أننا أهل للثقة والأمانة، نصون الود ونقدر الجميل ونرد الدّين والمعرف.

كيف لنا أن نُقنع الآخرين بأن من يقوم بمثل هذه الأفعال الإجرامية لا يمثلنا ولا ينتمي لنا، بل وربما يسعى إلى تشويه صورتنا وإعطاء وترسيخ صورةٍ نمطية سيئة عن شعوبنا وحضاراتنا.

هل يسعفنا نحن “السكان الجدد” إن تبنينا فكرًا وخطابًا جديدين يجعلانا جزءًا لا يتجزأ من مجتمعاتنا الجديدة التي لم تبخل علينا بشيء، بل قدمت لنا مالم يقدمه الأقربون.

هل تقع علينا جل المسؤولية الآن في تصحيح كل هذا الجدل والنقاش الدائر بين أوساط ومكونات المجتمع الألماني، حول مدى نجاعة سياسة الباب المفتوح التي تبنتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل؟

هل نُحمل أنفسنا المسؤولية إن طرأ أي تعديل أو تغير على هذه السياسة، من شأنه إغلاق هذا الباب وقلقلة استقرارنا واندماجنا بشكل أو بآخر.

وأتساءل هنا أيضًا: هل تبني فكر متنور ومنفتح وخطاب معتدل، كفيل بحفظ ماء وجهنا، وكبريائنا، وقادر على تقديم ثقافتنا بوجهها المشرق والمتسامح الذي يتقبل الآخر كما هو، يتقبله بثقافته وفكره الخاص به، هل نحن فعلاً نفتقد فكرًا وخطابًا يعترف بالتنوع والتعدد الإنساني شرطًا أساسيًا لبناء المجتمعات الإنسانية المستقبلية. وهل هذه المجتمعات المتعددة والمتنوعة عرقيًا وإثنيًا ودينيًا وفكريًا هي النموذج الأمثل والأكثر صونًا لمصالح أفرادها وجماعاتها ومؤسساتها. وهل التعددية بوصفها نهجًا أو عقيدةً هي السبيل الوحيد والمتاح لتجاوز كل هذه المشكلات والإشكاليات المجتمعية التي تمخضت عن أزمات اقتصادية وسياسية كبرى لا دخل لنا فيها نحن (السكان الجدد)، وليس لنا منها لا ناقة ولا جمل.

نعم، ما قالته معلمة اللغة الألمانية مسنا جميعًا بشكل مباشر، وأساء لنا عندما وضعت جميع السوريين وجميع اللاجئين في مكيال حادثة الحرق الهمجية في برلين، ولكن، وفي ذات الوقت أيضًا، قد يوقظ فينا ذاك الشعور والإحساس بالمسؤولية نحو تحسين الصورة الضبابية والرمادية السائدة لدى معظم الألمان إزاء دور وجدوى وجود (السكان الجدد) بألوانهم وأطيافهم في المجتمع الألماني الراهن، ويكشف مدى أهمية الاعتماد عليهم والثقة بهم ومنحهم الفرص للمساهمة في صياغة وبناء المجتمع التعددي المستقبلي القادم في ألمانيا.

أترك الإجابة بين أيدي السكان الجدد!

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لو أنّها انتصرت

سامي حسن | كاتب فلسطيني سوري-ماينز  على مدى ست سنوات من عمر الثورة، دفع السوريون غاليًا جدًا ثمن صرخة الحرية التي أطلقوها في أواسط آذار 2011. الملايين منهم أصبحوا في عداد الشهداء والمعتقلين والمفقودين والمهجرين واللاجئين، ناهيك عن تدمير المدن والقرى، وخضوع سوريا لأكثر من ...