الرئيسية » باب شرقي » الفن لا يعرف حدودًا

الفن لا يعرف حدودًا

 

علي الكردي | كاتب فلسطيني سوري

 تفتح مدرسة الرسم والتصوير، في مدينة “فايمر Weimar” الثقافية، العريقة، ذراعيها بدفء وحب، لاحتضان القادمين الجدد من اللاجئين، وتحديدًا فئة النساء والأطفال عبر مبادرة خلّاقة، للمساعدة على الاندماج من خلال الفن، تحت شعار: “الفن لا يعرف حدودًا”.

هدف المبادرة، هو دمج النساء القادمات مع المجتمع المحلي، من خلال الشغل على أعمال فنية في مجال الرسم، الفنون التطبيقية، والأشغال اليدوية، بإشراف فنانات ألمانيات وسوريات، بالتالي توفير منصة، أو مساحة مفتوحة للتفاعل، والتواصل الشخصي، وعقد صداقات تساعد على الاندماج، والتغلّب على حاجز اللغة، بمساعدة الفن والإبداع.

التقت “أبواب” مع السيدة د. دانا فورنبرغ مديرة المدرسة المتخصصة بتاريخ الفن، والسيدة آنا شتيشرت، المتخصصة في إدارة المشاريع الثقافية، للحديث عن هدف المشروع وآفاقه، وصعوباته.

 

خصوصيّة المكان

تقول السيدة فورنبرغ: “دعونا قبل عرض تفاصيل المشروع، أن نعرّف بخصوصية المكان، وخلفياته، كي تدرك الفئة المستهدفة من النساء العربيات، القادمات إلى ألمانيا بشكل عام، وإلى فايمر بشكل خاص، أهمية مثل هذه المبادرات، التي عليهن التعامل معها، بجدّية واهتمام، باعتبارها فرصةً ثمينة، للخروج من حالة العزلة، والانكفاء، والتهميش، إلى فضاء مفتوح لاكتساب المهارات، والصداقات، والتفاعل المعرفي، والانساني، على طريق الاندماج، وكسر الحواجز، وإذابة الجليد مع الآخر – المختلف في المجتمع المحلي”.

وتضيف: “تتبع المدرسة إلى جمعية فنون، وهي جمعية عامة، وليست خاصة. تزور المدرسة كل الفئات العمرية: نساء، شباب، صغار، حيث تنظّم طوال الأسبوع (من الاثنين حتى الجمعة) دورات: رسم، طباعة، سيراميك، فن طي الورق، صباغة الأقمشة بتقنية الباتيك، رسم على الزجاج، فن النحت على الحجر، فن الورد الصناعي، إضافةً إلى تنظيم أمسيات ثقافية، ونزهات خارج المكان”.

 

هل الدروس مجانية؟

“الدروس ليست مجانية، لكنها أيضًا غير باهظة التكلفة، بل متوسطة، الأمر الذي يتيح للجميع إمكانية التسجيل بها. لكن المشاريع التي تنظمها المدرسة مموّلة، بالتالي هي متاحة أمام الجميع مجانًا” تقول فورنبرغ، وتتابع: “تُصمّم المشاريع عادةً حسب الفئة المستهدفة، المخصصة لها. مثلاً: هناك مشاريع مخصصة للأطفال، بالتعاون مع المدارس، وهناك مشاريع تنظم بالتعاون مع جهات ثقافية، أو فنية في مناسبات معينة.

نحرص على أن تبقى مدرسة الرسم والتصوير، حاضنة لكل من له علاقة، أو مهتم بالفنون الجميلة، وهندسة العمارة، والثقافة والفنون بشكل عام. كل هؤلاء يجدون هنا فضاءً مفتوحًا، لأن هدف الجمعية أن يبقى المكان منصة للتفاعل والحوار وتبادل الخبرات” تجيب فورنبرغ.

 

إرث المدينة الثقافي

تضيف السيدة  فورنبرغ: “يستند عملنا إلى تراث عريق في المدينة. كرّسته الشخصية الاعتبارية الفذّة الدوقة آنا آماليا، التي جعلت من فايمر مدينة ثقافية بامتياز، باحتضانها الشاعرين غوته، وشيلر، اللذان تركا بصمات لا تُمحى في المدينة، التي اشتهرت بنظريتها المعمارية (الباوهاوس) وجامعتها، ومكتبة آنا آماليا، أشهر مكتبة كلاسيكية في أوروبا. إضافةً إلى العديد من المتاحف، والمراسم التشكيلية، والمسارح، ومدرسة الموسيقى التاريخية”.

 

تكمل فورنبرغ: “من المشاريع التي قمنا بإنجازها: تعريف التلاميذ بالأحداث التي جرت إبان الحكم النازي، بالتعاون مع المدارس، والإدارة المسؤولة عن النصب التذكاري لمحرقة اليهود في فايمر، ومشروع آخر، للتعريف بالدوقة آنا آماليا وإنجازاتها في المدينة”.

 

أهلاً وسهلاً بالقادمين الجدد:

حول المشروع الحالي الذي يستهدف النساء اللاجئات وأطفالهن تقول السيدة فورنبرغ: “بدأنا على ضوء تزايد أعداد اللاجئين في العام 2013 بتنظيم ورشتي عمل، واحدة في مركز اللجوء، وأخرى في المدرسة. كانت أعداد الفئة المستهدفة حوالي مائتي شخص من اللاجئين. كان الهدف إشغال هؤلاء الناس، وملء أوقات فراغهم الطويلة، حتى لا يبقوا معزولين داخل مركز اللجوء”.

وتتابع: “لاحظنا خلال تلك التجربة أن النساء على وجه الخصوص، لا يفعلن الكثير. بل لا يقمن بأي نشاط، أو فعل، وخلال أمسية نظمناها لشرح حقوق المرأة في ألمانيا، انتبهنا أن النساء اللاجئات لا يتحدثن عن مشكلاتهن، ولا ينفتحن. لاحظنا أيضًا أنهن لا يحضرن مع أطفالهن، إلى الورشتين. هذا الأمر كان غريبًا على ثقافتنا، لأن الأم ترافق طفلها في مثل تلك الفعاليات. النساء اللاجئات كن خارج الصورة تمامًا: لا يحضرن. لا يعبرن عن أنفسهن، وغالبًا لا يشاركن بالحوار، أو التفاعل”، وتعقّب: “ندرك اختلاف الثقافة، والتقاليد، لكن هذا وحده لا يفسّر انعزال النساء اللاجئات وانكفاءهن، بهذا الشكل السلبي”.

 

مرسم ألماني عربي

تقول فورنبرغ: “فكّرنا على ضوء تقييم تجربة الورشتين، بتطوير سبل التواصل مع اللاجئات، من خلال تأسيس “المرسم الألماني العربي” (منسقة المشروع السيدة جلنار ونوس) وتنظيم دورات دائمة للفنون. لا يقتصر الأمر على التدريب، وتطوير المهارات، بل يهدف إلى تعزيز التواصل بين القادمات الجديدات، وبين السكان المحليين، لعقد صداقات، والتغلّب على حاجز اللغة بمساعدة الفن والإبداع. كذلك خصصنا مساحة للأطفال، بإشراف المدرّسة السيدة كاتيا هوخشتاين، كي نسهّل على السيدات المشاركة، وهن مطمئنات على أطفالهن”.

 

نجاح المشروع

حول السؤال عن مدى نجاح المشروع، بعد سنة على إطلاقه، وهل حقق أهدافه فعلاً، تقول السيدة فورنبرغ: “من الصعب الحكم على الموضوع، حتى الآن. لاحظنا أن اللاجئات اللواتي تواصلن، هن أساسًا على سوية علمية وثقافية عالية، بينما طموحنا أن نصل إلى الفئة العريضة من النساء المعزولات في بيوتهن. ندرك أن المسألة صعبة، ومعقدة، لذلك نعمل على تطوير أساليب التحفيز على المشاركة”.

من جهتها تضيف السيدة آنا شتيشرت: “لولا قناعتنا العميقة، بإمكانية تقدم المشروع والأمل بنجاحه، لتوقفنا. الهدف ليس تربية، أو تغيير أحد. الهدف هو تحقيق التواصل والتعارف كما أسلفنا. نحن نحاول تلافي أخطاء الماضي. إذ لم نحاول في السابق العمل على مشاريع تساعد اللاجئين على الاندماج. اليوم نحاول، كي نشعرهم، بأنهم موضع ترحيب. يبقى أن يحاولوا من جهتهم التفاعل الإيجابي، والمساعدة في تطوير المشروع، بما يلبي احتياجاتهم”.

وتختتم: “نجاح المشروع، وتطويره لا يقع على عاتقي وحدي، ولا على عاتق السيدة د. دانا مديرة  المدرسة، بل على عاتق الجميع. أعداد المشاركات في المشروع حتى الآن جيدة، لكنها دون مستوى الطموح”.

عن محرر الموقع

محرر الموقع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سورمانيا راديو عربي-ألماني وأصوات ممزوجة بالحنين

مع مرور السنين ستنشأ لنا هويات خاصة، فالسوري/التركي سيختلف عن السوري/اللبناني وعن السوري/الألماني، وسورمانيا هو توثيق لتجربة السوري في ألمانيا ولهذا جاء الاسم من دمج سوريا وألمانيا. ونحن سورمانيون بشكل من الأشكال. هكذا قالت ديمة البيطار قلعجي عن راديو سورمانيا الذي يبث في برلين باللغتين ...