الرئيسية » باب شرقي » الحريات الأكاديمية والقمع السياسي في الميدان الجامعي (في سورية)
جامعة البعث في حمص. 12.10.2017

الحريات الأكاديمية والقمع السياسي في الميدان الجامعي (في سورية)

حسام الدين درويش* يُفترض أن تكون الجامعات والمراكز البحثية والاكاديمية مركزًا للتفكير الحر، لكونها تضمُّ بعضًا من “نخب” المجتمعات، من أساتذة وطلاب هم مثقفون ومفكرون وعلماء حاليون أو مستقبليون، ولكون الفكر والتفكير ميدان عملها، ولكون النقد أداةً ضروريةً في مناهجها وطرائق بحثها والنقاشات التي تدور فيها.

لكن هذا الافتراض العقلاني يواجه، في أحيانٍ كثيرةٍ، قوى سياسيةً غير عاقلةٍ ولا معقولةً في قمعها للحريات الأكاديمية وغير الاكاديمية. ويتجلى ذلك خصوصًا في الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية؛ حيث يواجه الافتراض المذكور عقباتٍ لا تحول دون تحققه فحسب، بل وتفضي أيضًا إلى جعل الجامعات والمركز الأكاديمية أقل المؤسسات التي يمكن فيها حضور ذلك الفكر النقدي الحر و/أو المتحرر.

انطلاقًا من تبني هذا الافتراض ومعرفة ذلك الواقع، عُقدت ندوةٌ أو ورشة عملٍ في 5-7 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تحت عنوان “الحريات الأكاديمية والقمع السياسي في الميدان الجامعي”. وقام بتنظيم الندوة المعهد العالمي للسياسات العامة Global Public Policy Institute (GPPi) بالتعاون مع مؤسسة “باحثون في خطرٍ”، Scholar at Risk في مقر مؤسسة فريتز تيسين Fritz Thyssen Stiftung في مدينة كولونيا الألمانية، وبدعمٍ وتمويلٍ من تلك المؤسسة. وقد كان الهدف الأساسي من الندوة هو البحث عن أفضل المعايير التي ينبغي اعتمادها خلال وضع مؤشرٍ لحال الحريات والقمع السياسي في الميدان الأكاديمي.

وقد ضمت قائمة المشاركين باحثين مختصين في هذا المضمار، إضافةً إلى باحثين وأكاديميين قدموا وصفًا لوضع الحريات والقمع السياسي في جامعات بلدانهم. وهذا ما حاولت فعله في كلمتي في هذه الندوة، وفي مشاركاتي في المناقشات الغنية والمفيدة التي جرت فيها. وسأحاول فيما يلي أن أوجز بعض أهم النقاط التي تضمنتها مداخلتي الرئيسة التي كانت عنوانها: “الحريات الأكاديمية والقمع السياسي في الجامعات السورية”.

إن الغياب الكبير والعام للحريات في الجامعات السورية يعكس بنية السلطة القمعية للنظام السوري، ولهذا من الضروري فهم طبيعة هذا النظام عمومًا لفهم واقع نقص الحريات أو غيابها في الميدان الأكاديمي السوري. ولفهم طبيعة هذا النظام ينبغي التمييز بين السلطة الاسمية (المتمثلة في الحكومة والبرلمان وحزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية) والسلطة الفعلية المتمثلة في أجهزة الأمن والجيش، التي لها اليد الطولى والكلمة الأخيرة و/أو الأهم في كل المؤسسات والمسائل العامة. ومن المهم، في هذا السياق معرفة أن الرئيس الأسد هو رأس السلطتين الفعلية والاسمية.

على الرغم من أن العلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة على هيمنة السلطة وتسلطها، لا على سيادة القانون واحترامه، إلا أن النظام حاول ويحاول دائمًا قوننة القمع وشرعنته، قدر المستطاع. وقد عاشت سورية في ظل حالة الطوارئ منذ عام 1963 حتى عام 2011. ولم يتغير الوضع فعليًّا حتى بعد أن تم رفع حالة الطوارئ عام 2011، إذ تم إصدار قوانين جديدة تشرعن هيمنة السلطة وقمعها للحريات. ووفقًا للدستور القائم حتى 2012، فإن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، وهو الحزب الوحيد الذي يحق له ممارسة النشاط السياسي في الجامعات والجيش. وعلى هذا الأساس “الدستوري” و”القانوني” وما يماثله، تم ويتم قمع كل حريات الرأي والتعبير والتجمع … إلخ.

فوفقًا لقانون تنظيم الجامعات ولائحته التنفيذية، يحق للسلطة ممارسة أشكال كثيرة وكبيرة من القمع. فعلى سبيل المثال، يحظر القانون قيام الطلاب بالإضراب ويسمح للسلطات بفرض عقوبات متفاوتة (قد تصل إلى الفصل من الجامعة) في حال مخالفة  هذا القانون. كما يحظر القانون قيام الطلاب والأكاديميين والعاملين في الجامعة بتأسيس أي منظمة أو القيام بأي نشاط سياسي أو بتوزيع أي منشورات أو بجمع أي توقيعات داخل الجامعة (وخارجها أيضًا طبعًا). وللسلطات حق فرض العقوبة التي تراها مناسبةً على كل من يخالف هذه القوانين. ويمكن ان تصل العقوبة إلى حد الفصل النهائي من الجامعة مع الملاحقة القضائية والجنائية.

وتمنع القوانين أساتذة الجامعة من تأسيس نقابة خاصة بهم، وتجعلهم أعضاء في نقابة المعلمين مع أساتذة التعليم في المراحل قبل الجامعية. وتسيطر الذهنية الأمنية والممارسات القمعية على نقابة المعلمين واتحادات الطلبة، ويظهر ذلك جليًّا في وقوفها ضد مصالح المعلمين والطلبة، وتمثيلها مصالح السلطة، في كل الحالات التي تتمايز فيها مصالح السلطة عن مصالح الطلاب و/أو الأساتذة والمدرسين و/أو العاملين في الجامعة.

وبالإضافة إلى القمع المباشر الذي تمارسه السلطة، لا بد من الانتباه إلى التأثير الهائل للقمع الذاتي الذي يمارسه الأكاديميون تجاه أنفسهم. فالأكاديميون الذين تعرضوا سابقًا إلى قمعٍ ما من السلطة، يكونوا غالبًا في حالة خوفٍ و/أو يأسٍ تجعلهم يحجمون عن ممارسة حرياتهم ومخالفة القوانين القمعية. والأمر ذاته ينطبق على الأكاديميين الذين شهدوا قمع السلطة لزملائهم، فهم يحاولون غالبًا أن يتجنبوا أن يلقوا مصيرًا مشابهًا. ويمكن لهذا القمع الذاتي أن يصل إلى درجةٍ كبيرةٍ من القوة والتأثير، بحيث يشوِّه شخصية صاحبه، نفسيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا، ويجعله يعتقد بأحقية أيديولوجيا السلطة القامعة وبمشروعية قمعها.

وعلى الرغم من عدم حضور الشرطة في الجامعات عادةً، إلا أن الفروع الأمنية والمنظمات الشعبية الملحقة بها أو التابعة لها (حزب البعث واتحاد الطلبة ونقابة المعلمين) مستعدةٌ دائمًا للقيام بأي دورٍ قمعيٍّ ضروريٍّ، من وجهة نظرها. وعلى الرغم من النزاهة، النسبية والجزئية، لعمليات قبول الطلاب وتعيين الأكاديميين في الجامعات السورية، إلا أن السلطة قامت وتقوم، في كثيرٍ من الأحيان، باستثناءاتٍ تمييزيةٍ ضد بعض الطلاب و/أو الأكاديميين ولصالح طلابٍ و/أو أكاديميين آخرين، نذكر منها على سبيل المثال: حرمان بعض الطلاب من التسجيل في الجامعة وبعض الأساتذة من التعين فيها، لكونهم أقارب لشخصٍ معارض للنظام أو لأسباب سياسيةٍ أخرى. وفي المقابل، ظل بعض الطلاب “البعثيين” الذين قاموا بدورات “بعثية” ما، يحصلون، لمدةٍ طويلةٍ، على علامات إضافية (25 علامة) تعطيهم أفضلية كبيرة غير مستحقة. ويتضمن المنهاج التعليمي في الجامعات السورية مادةً دراسيةً إلزاميةً هي مزيجٌ من مبادئ حزب البعث وخطابات الرئيس. كما يضغط النظام على الطلاب والأكاديميين للمشاركة في النشاطات والمسيرات والفعاليات التي ينظمها لإرغامهم على إظهار الولاء للحاكم المستبد.

إن اهتمام النظام بقوننة القمع وشرعنته لا يمنعه من ممارسة القمع ممارسةً غير قانونيةٍ أو مخالفةٍ لكل القوانين والتشريعات السائدة، حين يرى ضرورةً لذلك. وقد ظهر ذلك جليًّا بعد قيام الثورة في سوريا، حين تحولت مقرات اتحادات الطلبة والهيئات الإدارية إلى أماكن لاعتقال الطلاب “المعارضين او الثائرين” وتعذيبهم، وممارسة كل أشكال القمع غير القانونية بحقهم، قبل أن يتم تسليمهم إلى الفروع الأمنية، التي لا تتورع عن ارتكاب أقسى ممارسات التعذيب، لدرجةٍ تجعل الداخل إليها مفقودًا والخارج منها مولودًا.

انطلاقًا مما سبق نرى أن معرفة الغياب (شبه) الكامل للحريات الأكاديمية، والحضور الكبير للقمع السياسي في الجامعات السورية، يمكن أن يتم بطرقٍ عديدةٍ، لكن، بسبب غياب الأرقام الموثِّقة والموثوقة للمارسات القمعية، وبسبب ضعف القدرة على إجراء الاستبيانات واللقاءات المباشرة مع الأكاديميين في الجامعات السورية، يمكن الاكتفاء بالاطلاع على الدستور والقوانين والتشريعات والقرارت الحكومية في سورية عمومًا، وتلك المتعلقة بميدان التعليم والجامعات خصوصًا. فهذا الاطلاع وحده كفيلٌ بكشف المدى الكبير لاستبداد هذا النظام عمومًا، ولغياب الحريات وحضور القمع الأمني في الجامعات خصوصًا. لكن إدراك الاستعداد الدائم للنظام لمخالفة هذه القوانين، في ممارساته القمعية، يبيِّن أن تغيير أو تغير وضع الحريات الأكاديمية إيجابًا، لا يمكن أن يتم عبر تغير القوانين أو تغييرها فحسب، بل يقتضي بالضرورة تغيُّرًا جذريًّا في طبيعة النظام السياسي القائم، بما يعنيه ذلك من تغييرٍ للنظام السياسي/الأمني ذاته.

حسام الدين درويش* أستاذ مساعد في قسم الدراسات الشرقية / جامعة كولونيا وفي قسم الفلسفة / جامعة ديسبورغ – إسِن

 

اقرأ أيضاً

“معوقات الديمقراطية في سوريا” موضوع ندوة حوارية في برلين

“الثقافة الألمانية الرائدة”، تساؤلات حول خطة النقاط العشر لوزير الداخلية الألماني

القادمون الجدد والمهاجرون القدماء.. أزمة الحاضر والماضي 1

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحركة السياسية النسوية: ترفٌ أم ضرورة!

لينا وفائي تداعت مجموعة من النسوة السوريات، المؤمنات بثورة الشعب السوري من أجل الحرية والكرامة، لتشكيل حركة سياسية نسوية، إذ اجتمعت ثلاثون منهن في باريس بتاريخ 22-24 تشرين الأول ٢٠١٧، وتمّ الإعلان عن تشكيل الحركة، التي جاء في وثيقتها التأسيسية تعريفاً: “نحن نساءٌ سوريات نعمل ...