الرئيسية » باب القلب » كثير من الخوف.. قليل من الأوكسجين
الصورة للفنان أيهم مليشو
الصورة للفنان أيهم مليشو

كثير من الخوف.. قليل من الأوكسجين

حازم صيموعة.

كان لا بد لنا من تنفس الصعداء، بعدما قاسيناه خلال أسبوعٍ ونيف، من الأخذ والرد لإنجاز اتفاقٍ يوصلنا إلى بر “اليونان”، زينت الابتسامات الوجوه من جديد، رغم ما تخفيه خلفها من التوتر تجاه المجهول القادم، اللحظات التي سبقت الانطلاق كانت حابسةً للأنفاس.

تجمّعنا في ساحة “بصمنة”، بانتظار “البولمان” الذي سيقلنا إلى “النقطة”، صوت “سمعو” الشاب الحلبي الذي أرسله المهرب لمرافقتنا، كان يتردد بيننا، ليملي علينا توصياتٍ حول ما يجب علينا القيام به، إذا أوقفتنا “الجندرما” التركية في الطريق، في هذه اللحظات، الساحة تغص بالسوريين القاصدين شواطئ بحر “إيجه”، وعلى مسافة بضعة أمتارٍ منا، يتمركز عدد من رجال الأمن التركي، أعتقد أنهم من قسم مكافحة الشغب، يتجاهلون وجودنا تمامًا.

بعد انتظار دام أكثر من نصف ساعة، صعدنا إلى “البولمان” مع حلول الليل، ساد جوٌ من المرح والضحك ساعات رحلتنا، علا صوت الأغاني، وألقيت النكات، والتقطت الصور، نال التعب من البعض فأخذوا غفوة، وآخرون منعهم التوتر من النوم، قبل منتصف الليل بقليل، توقف “البولمان” وانسكبنا في العراء، على طريق ترابي، افترشنا الأرض منتظرين سياراتٍ ستنقلنا على دفعات، لنكمل طريقنا إلى النقطة، لأن “البولمان” لا يستطيع الدخول في طرقٍ فرعيةٍ خوفًا من “الجندرما”، طال الانتظار وبدأ البعض بالتململ، اتصل “سمعو” بالمهرب ولكن حديثهما لم يكن إيجابيًا، ازداد التوتر، عندما حاولت سيارةٌ اجتياز الطريق الترابي، تفاجأ السائق بنا، فتوقف للحظات حبست أنفاسنا، لا أعرف من منا كان يخاف الآخر أكثر، هو يشاهد أمامه تجمعًا بشريًا يزيد على أربعين شخصٍ، بعد منتصف الليل في طريقٍ ترابيٍ على أطراف قريةٍ صغيرة، ونحن الهاربون المشبعون بالرهبة، لا نعرف ما يمكن أن ينتج عن رؤيته لنا، أفسحنا له الطريق، تجاوزَنا ببطء، في لحظةٍ تجمد فيها الزمن، تلاقت نظراتنا بينما كان يعبر من أمامي، كانت نظرته حادةً ثاقبة، وكانت نظرتي مسرعةً حذرة، كصيادٍ التقى ذئبًا في رحلة صيدٍ، وعقدا اتفاقًا غير معلن، الصياد لا يطلق النار، والذئب لا يحاول مهاجمته، تجاوزنا وعبر جمعنا بهدوء حذر إلى أن وصل إلى الطريق الإسفلتي، ثم أسرع غارقًا في الظلام، لم يستطع أحد منا أن يخبئ خوفه، وما هي إلا لحظات، حتى بدأ ضوء أزرق باللمعان في عمق الظلام، كلما اقترب أكثر، شُدّ حبل الخوف حول أرواحنا أكثر، إنه الغول الذي نهرب منه خوفًا حتى قبل أن نراه، “اتخبوا اتخبوا”، لم نكن ندري أين نختبئ، فأكبر شيء فيما حولنا هو حجر بحجم الرأس، أخفضنا رؤوسنا جميعًا، الأنفاس تكاد تتوقف، همسات تتردد بيننا، “نزل راسك، بلغ عنا صاحب السيارة، العما الرجعة مصيبة يا زلمة، شو هالحظ يا الله!”

خففت سيارة “الجندرما” من سرعتها عندما أصبحت بمحاذاتنا، انعطفت باتجاهنا عند مدخل الطريق الترابي، ثم توقفت، نحن الآن نرى تضاريس المكان الذي نختبئ فيه لأول مرة، ونرى الخوف في وجوهنا، خلال بضع ثوانٍ، مرت كأنها ساعة، جمّدت الدماء في عروقنا، ساد الصمت حتى كأننا استطعنا سماع دقات قلوبنا خوفًا وترقبًا، تحركت السيارة إلى الخلف، واستدارت عائدةً من حيث أتت، “راحوا؟ شافونا؟ معقول يكون راح يجيب دعم لأنو نحنا كثار؟”

زاد التذمر، وعلت الأصوات، اتصل دليلنا بالمهرب، وكان الجواب “في كثير جندرما، دبروا حالكن للصبح ببعثلكن سيارات تجيبكن” على مسافة مئتي مترٍ تقريبًا، يقف بناءٌ مكونٌ من عدة طوابق، توجه إليه ثلاثةٌ منا لاستكشاف المكان، كانت النتيجة “إنه بناءٌ قيد الإنشاء ونستطيع الاختباء فيه”، حملنا الأمتعة مسرعين، وتوزعنا في الطابق الأرضي، مازالت رائحة الخوف تملأ المكان، ولشدة التوتر، انفجرت إحدى صديقاتنا بالضحك، ولم تعد تستطيع التوقف، في تلك اللحظة، تذكرت وجه أمي، التي كانت تضحك كلما شعرت بالتعب بالمرض أو الإرهاق، لتوحي لنا بقوتها، تمنيت عندئذ لو استطيع العودة بضعة أيام في الزمن، لآخر مرةٍ رأيتها فيها في بيروت، لأضمها بين ذراعي فألملم بذلك شتات روحي وانكساراتي، التي تتشظى أمام عيني، كنافذةٍ مكسورةٍ، عيبها الوحيد، أو ربما ميزتها -لم أعد أدري- أنها تطل على البحر.

قلةٌ منا استطاعوا أن يناموا، ومع بزوغ الفجر، انقسمنا إلى ثلاث مجموعات، وتحركنا كل مجموعةٍ بمفردها، لاجتياز الطريق الإسفلتي، بقصد الاختباء في الغابة، تحركنا مسرعين، ثم تجمعنا في الغابة، وهنا تحول الوضع إلى ما يشبه “السيران”، تناولنا الفطور، وغفا بعضنا في ظلّ أشجارٍ تشبه أشجار البلوط .

اقترب النهار من الانتصاف، ولا خبر من المهرب حتى الآن، توجه “سمعو” نحو الطريق، كي يحاول الاتفاق مع حافلةٍ تقلنا إلى هدفنا، وبعد نصف ساعةٍ تقريبًا، عاد بالحافلة إلينا. حافلةٌ صغيرةٌ تتسع لثلاثة عشر راكبًا فقط، لضيق الوقت، ليس لدينا رفاهية الانتقال على ثلاث دفعات، انقسمنا إلى مجموعتين، وركبنا الحافلة كأنه يوم الحشر، والتوصيات كانت بضرورة إخفاض الرؤوس، فالطريق خطرة والشرطة مستنفرة، أكثر شيءٍ متواجدٌ في الحافلة الآن هو الخوف، وأقل شيءٍ هو الأوكسجين، عشرون شخصًا وأمتعتهم في مساحةٍ مخصصةٍ لنصف هذا العدد، “سمعو” كان بجانب السائق، كان يطمئننا بأن الطريق سهل، الخوف فقط هو عند المرور بجانب مخفر “الجندرما”، مازلت أذكر جيدًا تلك اللحظات التي مررنا فيها بجانب المخفر، صورته مطبوعةٌ في مخيلتي كمشهدٍ سينمائي، عندما قال سمعو “هذا هو المخفر”، حبست أنفاسي، وعيوننا جميعنا مسمرةٌ على المخفر، تقمصت جسد سائق الحافلة للحظات، أخذت مكانه هناك خلف المقود، وعبرت بروحي وأرواحهم إلى أن تجاوزناه. استغرق طريقنا ما يقارب نصف ساعة، أو يزيد بقليل، ترجلنا ونزلنا بأقصى سرعة باتجاه بساتين الزيتون، وعادت الحافلة أدراجها لتقل المجموعة الثانية، مشينا متثاقلين، حاملين أمتعتنا ومؤونةً من الطعام والماء تكفي ليومين كما كانت طلبات المهرب، آثار مرور آلافٍ من الناس قبلنا على هذا الطريق واضحة تمامًا، على جانبي الطريق هناك مجموعاتٌ من السوريين، الذين أخل المهربون باتفاقهم معهم، منهم من يخبرنا بأنه هنا منذ أسبوع، وآخرون ملوا الانتظار فقرروا العودة إلى أزمير، على الأشجار، تلوح قطعٌ من أكياس “النايلون” الملون، وُضِعت كعلاماتٍ ليستدل بها المتجهون إلى نقطة التجمع، مشينا ساعةً من الزمن، تخللتها بعض الاستراحات القصيرة، ثم دخلنا بستان زيتونٍ كبيرًا، يتجمع بين أشجاره أكثر من خمسمئة شخصٍ، منهم من يفترش الأرض تحت ظلال الأشجار، وآخرون ظلّلوا أنفسهم تحت خيمةٍ، صنعوها من بقايا القماش والورق المقوى، تجمعنا تحت شجرةٍ بانتظار وصول بقية مجموعتنا، حتى الآن لم أجد كلماتٍ تعبر عن شعوري في تلك اللحظات، حجم الألم الساكن في عيون هؤلاء المترامين على أطراف البحر، المنتظرين حياةً بعد ميتاتٍ عديدةٍ، لا يوصف، ولم أتمكن من استيعاب مداه، وما إن وصلت بقية مجموعتنا، حتى بدأت تعليمات مسؤولي النقطة، أشار أحدهم بيده “هذا هو البلم الذي سيأخذكم إلى الجزيرة”، إنه قارب مطاطي أسود اللون بطول سبعة أمتارٍ -حسب تقديري- وعرض لا يتجاوز المتر ونصف المتر، نظرت إليه ولم أدر، هل هو طوق نجاتنا، أم أنه قبرٌ سيضمنا جميعًا، ثم تابع قائلاً، بصيغة الأوامر العسكرية، “البسوا ستر النجاة، يسمح لكم بحمل حقيبة ظهرٍ لا تزن أكثر من خمسة كيلوغرامات، ممنوعٌ حمل الماء أو الطعام”، ثم بدأ بالمشي بيننا، وأخذ يرمي الحقائب الكبيرة، وينادي بأن حملها ممنوع.

لبسنا ستر النجاة، وحملنا حقائب الظهر، وانتظرنا إشارة الانطلاق، وما هي إلا بضعة دقائق، حتى جاءنا الجواب “هناك مشاكل مع المهرب وتم تأجيل رحلتكم وستأخذ مجموعة أخرى البلم المخصص لكم”، لم ندرِ ما الذي حصل، تملكنا الإحباط، وجلسنا ننتظر أجوبةً حول تساؤلاتنا الكثيرة.

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

image-1

عبد الرحمن عباسي: أنا آخذ العنصرية بشكل شخصي

عبد الرحمن عباسي، 22 عامًا، يدرس طب الأسنان في جامعة غوتينغن – ألمانيا، وصل إلى ألمانيا قبل ثلاث سنوات كطالب بعد رحلة طويلة قطع فيها عدة دول، تعلّم اللغة، وبدأ بالدراسة. وهو أيضًا موظف في مكتب الهجرة في مدينة غوتنغن. أسس مع صديقه علاء فحام ...