الرئيسية » باب القلب » سنة أولى لجوء

سنة أولى لجوء

 

مفيدة عنكير

كيفَ لهذهِ السنَة أن تمر كباقي السنين، وهي الأكثر تفكيرًا، شتاتًا، اغترابًا، حنينًا واشتياقًا، وأقلها حياة؟

في هذا اليوم لن يكون لي متسع إلا للذكرى، ذكرى بصمنة، تلك الساحة الأزميرية التي اتسعت للجميع من عاش منهم ومن مات، من نام على وسادة، أو على رصيف، أو في فندق قديم ينام فيه الناموس أكثر من البشر لتدني أجرته. من أكل (الصندويشة) أو من سمحت له نقوده بالجلوس في مطعم على مهل. مهل يسمح له بالخوف، وبالشبع شبع الجوع، وخوف الموت المنتظر.

ذكرى سيارة تقل العشرات، بعضهم يسبحون الله لأول مرة، وبعضهم يصرخ متلائما مع حالة وجوده التي تشبه القطيع الذي ينقله صاحبه غير مدرك الوجهة التي يأخذه إليها. وذكرى قارب لا يحسن استقبال صاعديه إلا ببث الرعب فيهم كوسيلة روتينية للترحيب، ويساعده على ذلك تهيؤهم لهذا الرعب المسكون فيهم مذ قرروا الرحيل.

وبحر لم تلاصقه صفة غير الغدر مذ أخذ اسمه يطرق مسامعي. فلا الصفة ساعدتني على الوثوق به ولا أنيس مقرّب يتحايل عليّ بكلمات تُذهب عني الخوف الذي زاده عدم معرفتي بالسباحة.

بلاد جديدة، لغات أيضا، أناس مختلفون، كلهم مروا في طريقي وبمخيلتي بملامح سرعان ما اختفت. خيبات متسارعة، هززت رأسي، فتلاشت. فالخيبات الغريبة أقل بقاءً في الروح وفي العقل. كامب أشبه بسجن دون سلاسل أو سجان. وجبات غير معروفة في أوقات معينة، لا وقت لديك للجوع، ولا للشبع، وحتى للتشهي،

لأدرك حقًا أنني أصبحت لاجئة.

 

لاجئة لا تتقن التعود على عادات بلدها البديل الجديد، ويبدو أنه الدائم، لاجئة غريبة عن كل شيء، وغريب عنها كل شيء. لون الوجوه ولون الشعر، لون اللسان ولون الروح أيضا!

تستيقظ كل صباح لتعيد ترتيب كلماتها في حال مرت بأحد الغرباء السابقين.

لاجئة تجيد إيجاد الفروق بين الأشياء والأسماء والوجوه والألوان وتجعل المقارنة سبيلها الوحيد لتتذكر ما اعتادته في بلدها. لاجئة تهيئ نفسها لتكون نموذجًا جيدًا عن الآخرين، ويتعبها ما تراه من صور لا تليق بسمعة الناس التي تنتمي إليهم.

لاجئة تبحث عن عمل يذهب عنها هذه الصفة، جاءت لتسكن بلاد ليست لها وتأخذ شيئًا ليس من حقها، كما  أخبرتها عيون بعض أصحاب تلك البلاد .

لاجئة تجيد الحنين لتبثه كلمات على الفيسبوك، فتجمع حولها كل من عرفت بلايك أو تعليق أو حتى مشاكسة  لكن سرعان ما يذهبون! لترجع وحيدة، لكن ليست كنجمة! وحدها النجوم هنا هي ما لم تره. الصيف هنا لا سماء له كما في سماوات مخيلتها.

حتى الفصول تستطيع أن تراها كلها في يوم واحد. برد الشتاء قارس أكثر مما ينبغي، وخريف هذه البلاد طويل. لكن الخضرة مستمرة، أشجارهم تجيد الاخضرار الدائم لا أعرف لماذا.

فكرت مليا أن أهدي جيراني زهورا لأعبر عن امتناني لهم، ليس لجعلي أشعر بالأمان أو لأنهم عاملوني كما الناس في بلادي، لا، بل لأنهم لم يعاملوني بعداء أو حتى قطيعة!

نعم، الناس هنا لا تستطيع أن تلقي عليهم سوى التحيات اليومية. وتفتعل الابتسامات مثلهم، فلا أنت راض عن وجودك ولا هم!، والابتسامة هنا، ما هي إلا خديعة راقية.

لاجئة أنا لكن في الصف الأول من المدرسة، أتعلم الحروف والكلمات، وألعب مع زملائي في الصف، وأحيانا أجيد المشاغبة، لكن معلمتي لا تضربني، ولا حتى توبّخني، لأنني لاجئة كبيرة، وفي الصف الأول أجادت تعلم قيادة الدراجة الهوائية بأسبوع لا أكثر!

سنة أولى لجوء في الثلاثين من عمري، واغتيال الأمنيات يلاحق ما تبقى من سنيني. سنة أولى لجوء وافتعال الذكريات مازال يغري حنيني.

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لم أُعرّفكم بي بعد

ريم رشدان. سعيدةٌ جدًا هذه الأيام، فأنا أخرج كل يوم رفقة صديقتي الجديدة -لن أقول مالكتي- فالعلاقة بيننا تجاوزت مُجرّد أن تملكني أو أكون لها. أنا الآن “إيدها و رجلها” كما تقول عني بعاميّتها العربية وفي الواقع أنا أطير فرحًا كلما سمعتها تقول عني ما ...