النساء تيّمن قيسًا وعلّمن الهوى

وفاء صبيح | إعلامية سورية 

توفيت عالمة الرياضيات الإيرانية الأصل، مريم ميرزاخاني منتصف يوليو/تموز 2017، عن 40 عامًا إثر إصابتها بالسرطان. انتهى الخبر-الفاجعة لكن بدأ التأمل بين السطور.

امرأة إيرانية درست في جامعة “ستانفورد” الأميركية وتمكنت لاحقًا من الفوز بجائزة “فيدلز” وهي أرفع جائزة في الرياضيات، تعادل نوبل في العلوم. لكن لنتصور أن الجامعات الإيرانية كلها “ستانفورد”! كم من الجوائز والأوسمة ستقطف النسوة الإيرانيات والسوريات والعراقيات وغيرهن من النساء اللواتي يحول عدم وجود جامعات ترعى المواهب الفذة، دون تحقيقهن إضافات في مجتمعاتهن.

كيف للإيرانيات، السوريات، العراقيات وباقي نساء العالم المحاطات بأسوار التجهيل، أن يبدعن ويحوّلن إبداعهن إلى حالة عامة في ظل بيئات اجتماعية تساعد في تكريس الفرز بين “الجنسين” وتعمق الاختلاف المعنوي بينهما؟

مجتمعات تعتبر-في أفضل الأحوال- النساءَ (فازة ورد) في ركن الصالون؛ ديكور فحسب. كيف لدوار الشمس أن يتجه نحوها وهو حبيس زنزانة مظلمة؟

هل يمكن القطع مع الماضي الذي كبل المجتمعات العربية بسلسلة لا تنتهي من حلقات التخلف؛ حلقات تبدأ بالتعليم المنخفض الجودة، الخالي من التحريض على الابتكار، مرورًا بإهمال أصحاب المواهب واللامعين وعدم رعايتهم، لدرجة أن مدارس المتفوقين في طول البلاد وعرضها (سوريا وغيرها)، تكاد تُعدّ على أصابع اليد الواحدة؟

اعتقد أن الفاقد المعرفي الذي لا تقدر قيمته بثمن، تجاوز النساء إلى شرائح المجتمعات ككل، ولكن كانت خسائر النساء أكبر بما لا يقاس مقارنة بالرجال.

يبدأ وقف الخسائر بالتمكين، وخلال إقامتي في ألمانيا عرفت كيف يكون التمكين على أصوله وفطنت إلى أن بلدان التخلف لا تعرف شيئًا عن المصطلح الذي يعني في نهايته المساواة والاستقلالية والتحفيز على الإبداع.

كيف للنساء السوريات، العربيات، الملحقات بالرجال، أن يعززن مهاراتهن ويراكمن خبراتهن المختلفة وصولًا إلى الاستقلالية وانتاج معرفة جديدة، في ظل مجتمعات وسلطات أحادية لا تقبل القسمة على الرأي الآخر.

تطور النساء ومشاركتهن في صنع الضوء للمستقبل يحتاج الى أن يدخلن الدورة الإنتاجية الاجتماعية التي تعني المساواة بين أفراد المجتمع بغض النظر عن الجنس واللون والمعتقد، وتحتاج في المرحلة اللاحقة إلى الإيمان بأن “التنوع غنى”، وفي المرحلة الثالثة إلى بيئات تعليمية تحفز المبادرة وروح الابتكار، والأهم مؤسسات ترعى تلك الابتكارات، فلولا جامعة “ستانفورد” هل كان بوسع إيران أن ترعى موهبة ميرزاخاني وأن توفر لها مستلزمات البحث العلمي وأدواته لتغدو سيدة نابغة؟

يومًا ما اعتبرت الأمم المتحدة في أحد تقاريرها أن التعليم الجيد يكفل توفر الركيزة الأساسية لنمو المجتمعات، وأوضحت أن المجتمعات المتخلفة تستورد التقانة، لكن تحتكر مزاولتها بين الرجال، ولذلك تبقى التنمية منقوصة غير متاحة لجميع فئات المجتمع.

مرت المجتمعات الناهضة مثل ماليزيا بعدة أطوار نقلتها من البدائية وتجارة المطاط فقط، إلى قلب المعاصرة وصناعة الرقائق الإلكترونية. لاحظوا وضع المرأة الماليزية، التي لولاها لبقيت البلاد خارج حظيرة النمور الآسيوية. صاغت الحكومة السياسات الوطنية للمرأة ولحظتها في جميع الخطط ولذلك تمكنت المرأة من توسيع حضورها في القطاعات المختفلة تزامنًا مع التطور العام للبلاد.

أيام الجامعة كنت اشتري بين حين وآخر مجلة “الموقف العربي” التي كانت تصدر من قبرص بتمويل من القذافي، وكتب الشاعر الليبي خليفة التليسي في عدد منها قصيدة يعيّر فيها النساء العربيات عبر التاريخ: “كل المجانين منا أين واحدة منكن نرفع في الأكوان ذكراها”؟

كنا عاشقات ولم نزل ونفاخر، وسنصبح عاشقات عالمات إذا توفرت لنا فرصة أن نكون “ذاتًا حرة”. ومع ذلك فنحن، والقول للتليسي:

“تيّمن قيسًا وعلّمن الهوى عمرًا وابن الوليد مات بين صرعاها”.

سنوفر يومًا لأنفسنا شرط النمو، وحينها سنملأ الكون بذكرانا.