الرئيسية » باب ألمانيا » الأتراك بين الاندماج و الهوية التركية
اللوحة للفنان شادي أبو سعدة

الأتراك بين الاندماج و الهوية التركية

محمد حورية*

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي أعقاب الدمار الذي نال أغلب الولايات الألمانية، ومع انخفاض اليد العاملة اللازمة لإعادة بناء البلاد، لجأت حكومة ألمانيا الغربية آنذاك، إلى استقدام اليد العاملة من دول عديدة، ضمن برنامجٍ سمي “العمال الضيوف”، وذلك في إطار سياسة ألمانيا، لتسريع وتيرة إعادة الإعمار على أراضيها.

ورغم عدم وجود رقم دقيق لعدد العمال الأجانب الذين استقدمتهم ألمانيا الغربية، إلا أن الكثير من الإحصائيات المستقلة، تحدثت عن مئات الألاف من العمال من دول مختلفة مثل بولونيا وروسيا و تركيا. ومع مرور الوقت، تحول قسم كبير من هؤلاء العمال إلى جاليات أجنبية استقرت في ألمانيا، وتواجه صعوبات كبيرة لتحقيق الاندماج في المجتمع الجديد.

وتُعد الجالية التركية إحدى أهم الجاليات الأجنبية الموجودة في ألمانيا، ويعود تاريخ وجودها إلى مطلع ستينيات القرن الماضي، وتأتي أهمية هذه الجالية من كونها الجالية الأكبر في ألمانيا، حيث تضاعف عدد الأتراك عشرات المرات خلال عشرين عاماً، ليتجاوز الثلاثة ملايين تركي، وهو ما يمثل نسبة 20 % من مجموع الأتراك المقيمين خارج تركيا، والبالغ عددهم 15 مليون شخص.

قوة الجالية التركية:

يرى الكثير من المتخصصين في الشأن الألماني، أن الجالية التركية تمتلك قوة مؤثرة نسبياً في الحياة السياسية في ألمانيا. وهذه القوة عائدة إلى أن أكثر من مليون ونصف تركي يحق له المشاركة في الانتخابات الألمانية، وهو ما دفع معظم الأحزاب إلى العمل على جذب اهتمامهم والحصول على تأييدهم.

ومن الناحية الاقتصادية، تشير بعض الدراسات الصادرة عن مراكز البحوث الاقتصادية، إلى أن “النشاط الاقتصادي للجالية التركية في نمو ملحوظ، واستطاع الكثير من الأتراك تأسيس أعمال تجارية وصناعية مهمة في ألمانيا، و تتركز التجمعات التركية في المدن ذات النشاط الصناعي، مثل برلين وغيرها من المدن في غربي ألمانيا”.

الاندماج التركي بعد 40 عاماً:

مع انتهاء برنامج “العمال الضيوف” في سبعينيات القرن الماضي، بات من الصعب عودة العمال إلى موطنهم الأصلي بعد انتهاء مهمتهم، وأصبح هاجس الحكومة الألمانية، دمج الأتراك في المجتمع الألماني.

ورافق ذلك صعوبات وعقبات كثيرة، حالت دون اندماج الأتراك في هذا المجتمع، ويرى مراقبون، أن الحكومات المتعاقبة أهملت سياسات دمج المهاجرين، وتلكأت في مواجهة التمييز العنصري، الذي يواجهه الأجانب بألمانيا.

كما أن الألمان المشجعون على دعم “تعدد الثقافات” يلقون بالمسؤولية عن ضعف مستوى الاندماج لدى الأتراك، على سياسة الاندماج الألمانية الضعيفة، حيث يقول عالم الاقتصاد توماس ستراوبهار إن أغلب الألمان يعتبرون الأتراك ضيوفا وليسوا مواطنين، وهو موقف لا يشجع الأتراك على الاندماج.

ومن جهةٍ أخرى، ذكر معهد برلين للسكان والتنمية: “أن الجالية التركية تعد أضعف الجاليات الأجنبية اندماجاً في المجتمع الألماني، ويعود ذلك إلى تقوقع الأتراك داخل مجتمعاتهم، وتجمعهم في مناطق سكنية خاصة بهم، حيث ترتدي ربات البيوت من أصل تركي اللباس التقليدي، ويشترين اللحوم وورق العنب من الباعة الأتراك، ويمضي الرجال من كبار السن الوقت في احتساء القهوة، والدردشة بالتركية، ويقرأون الصحف التركية بالشوارع الخلفية من برلين”.

وكان معهد الأبحاث التطبيقية للمستقبل والتنظيم، قد أصدر دراسةً حول الأكاديميين والطلبة الأتراك في ألمانيا، ويقول “كاموران سيزر”، مدير هذه الدراسة، “هناك ثغرة معرفية عميقة بوضع الأتراك في ألمانيا”. مضيفاً أنه “يجري النظر إلى الجالية التركية باعتبارها مجموعة متجانسة، وينسحب هذا على مواضيع مثل الدين والمواقف السياسية ومفهوم الوطن، والاستهلاك”. في حين أن هذه المجموعة غير متجانسة على الإطلاق، فالدراسة التي تناولت الأكاديميين والطلبة على سبيل المثال بينت وجود تباينات شاسعة بين الأتراك الألمان.

ولكن لابد من الإشارة من ناحية أخرى إلى أن هناك تفاوت كبير في الثقافة والتقاليد ما بين المجتمعين الضيف والمضيف، مما يزيد من صعوبات الاندماج، لاسيما مع تمسك الأتراك بتمايزاتهم وإصرارهم على الزواج من نفس الجالية، وتعاملهم مع المجتمع الألماني على أنهم غرباء عنه.

وعلى الرغم من الدراسات المختلفة، التي تتحدث عن ضعف اندماج الأتراك بالمجتمع بالألماني، إلا أن كثيراً من الأتراك استطاعوا ترك بصمتهم في الحياة السياسية الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، فدخلوا معترك السياسة، وأصبحوا نواباً في البرلمان الاتحادي، ووصلوا إلى مراكز وظيفية حكومية مهمة، واستطاع أكثر من مليون ونصف تركي الحصول على الجنسية الألمانية.

من جانب آخر، يرى الكثير من الباحثين في شؤون الهجرة، أن الحالة التركية لن تسري بالضرورة على الجاليات الأخرى، وخاصة الجالية العربية، التي وصلت من سوريا والعراق في موجة اللجوء الأخيرة، التي شهدتها ألمانيا خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث وضعت ألمانيا برامج جديدة في مواجهة التمييز ضد المهاجرين، كما بدأت بتطبيق برامج لتعليم اللغة الألمانية إلزامياً للاجئين، وسرعت عملية الحصول على الجنسية بهدف تسريع اندماج العرب في المجتمع الألماني، ولتجاوز السلبيات التي تسببت بضعف اندماج الجالية التركية في بعض مناحي الحياة.

محمد حورية. كاتب سوري

إقرأ أيضاً:

السياسية سوسن شبلي تقترح تضمين زيارة لمعسكرات الاعتقال النازية ضمن دورة الاندماج

التونسيون في ألمانيا، مشاكل الاندماج على طاولة ممثلي المهاجرين التونسيين في البرلمان 

اللاجئون بين الاندماج وحلم العودة

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

وجهة نظر: قضية حارس بن لادن الشخصي، هل هي تقويض لدولة القانون؟

في حين قضت محكمة ألمانية بإعادة الحارس الشخصي السابق لأسامة بن لادن إلى ألمانيا، يتم ترحيل اللاجئين المندمجين بشكل جيد إلى أفغانستان. وهذا الأمر قد يقوض الإيمان بسيادة دولة القانون، كما يرى فيليكس شتاينر. من يؤمن بأن المنطق السليم ودولة القانون أمران لا ينفصلان، فقد ...