الرئيسية » باب أرابيسك » قصائد جديدة تنال حريتها – أشرف فياض: الشاعر المنسي في أقبية الظلام

قصائد جديدة تنال حريتها – أشرف فياض: الشاعر المنسي في أقبية الظلام

المقدمة بقلم الشاعرة والصحفية والناشطة اليمنية: سماح الشغدري

تتواصل انتهاكات حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية، أو كما وصفها حقوقيون مؤخراً (مملكة الحكم بالإعدام)، وهو توصيف لم يكن انفعالياً ساخراً ومنحازاً، بل أتى كأحد أهم ملخصات المنظمات الدولية، والتي أكدت في تقاريرها أن المملكة كانت ومازالت إحدى أكثر الدول استخداماً لعقوبة الإعدام، حيث أن هذا الحكم يحدث بصورة اعتيادية لا مثيل لها في بلدان أخرى.

تختلف المبررات التي تتخذ من حكم الإعدام وسيلة ناجعة لحراسة الفضيلة وحماية المعبد في السعودية، وتختلف معها أيضاً قصص من حكم عليهم بالإعدام. غير أن قصتنا لهذا اليوم تتحدث عن شاعر اشتهرت قصته كثيراً، وهو ليس سعودي الجنسية، ولم يحكم عليه بالإعدام على خلفية قضية سياسية أو جنائية بل كانت القضية فكرية محضة! وهو الشاعر الفلسطيني “أشرف فياض”، الذي يقيم في السعودية مع أسرته منذ أكثر من خمسين عام.

وقد أصدر “فياض” في العام 2007 كتابه: “التعليمات في الداخل”، وهو كتاب يحمل فكراً متفرداً شبيهاً بتلك الكتب التي تُبنى نصوصها على رؤى فلسفية في التعبير عن القضايا الوطنية وهموم المجتمع.

بعد نشر كتاب “أشرف فياض” بست سنوات تم تأويل نصوصه بأنها تتعدّى على الذات الإلهية، فاتّهم بالإلحاد، وحكم عليه بأربع سنوات سجن وثمانمائة جلدة. وبدلاً من أن يؤدي الاستئناف لتخفيف الحكم عنه تمّت زيادته، فحكم عليه بالإعدام بناء على شكاوى وشهادات مقدمة من “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، والتي تعتبر من أقوى السلطات الرسمية في المملكة، تراقب تحركات الناس في الحياة العامة، وتمارس الضغوطات بحقهم.

توفي والد “أشرف فياض” بسبب جلطة دماغية داهمته بعد سماعه خبر حكم الإعدام على ابنه. مما جعل الشاعر يتقدّم بطلب بترحيله من المملكة كونه فلسطيني ولا يحمل الجنسية السعودية أساساً، وكون قضيته لا علاقة لها بالمساس بأمن الدولة وليست كذلك قضية جنائية. غير أن طلبه المتكرر قوبل مرة واحدة بالرفض ومرات أخرى بالتجاهل، وبعد ضغوطات كبيرة من منظمات المجتمع الدولي ومن كتاب وناشطين من مختلف دول العالم، نددوا بحكم الإعدام الجائر، تم تخفيف الحكم إلى السجن لمدة 8 سنوات مع تنفيذ حكم الجلد المستحق على فترات متفرقة.

أُهملت قضية “أشرف فياض” مع مرور الزمن، وأُقفل ملفها نهائياً، ولم يعد هناك أية مطالبات بإخراجه من السجن، كما أن المحامي الذي ترافع عن القضية بداية لم يعد يرد على أية مراسلات أو اتصالات بخصوص الأمر، ورفض نهائياً ولأسباب مجهولة العودة لفتح ملف القضية، مما جعل متابعي القضية يرجعون ذلك إلى ضغوطات محتملة مورست على المحامي من قبل السلطات السعودية، بسبب من كون القضاء في السعودية غير مستقل عن السلطات السياسية، وما صدر من حكم لتخفيف العقوبة هو قرار سياسي فحيثيات القضية التي بنيت عليها العقوبات المتعددة لم تتغير.

بحسب معلومات مؤكدة يعاني “أشرف فياض” في سجنه اليوم وضعاً صحياً ونفسياً متدهوراً، وذلك بعد مضي حوالي أربع سنوات ونصف عليه في السجن ومع استمرار تنفيذ حكم الجلد بشكل متقطع، الأمر الذي يعرضه للسخرية من قبل إدارة السجن وتلقي العديد من الكلمات والتلميحات الجارحة.

الشاعر يمر اليوم إضافةً إلى محنة السجن والجلد، بضغوط نفسية شديدة، فتوقه للحرية يترافق مع شعوره بالخذلان من منظمات المجتمع المدني الدولية والعربية، والتي اكتفت بإسقاط حكم الإعدام عنه ونسيت القضية.

يحاول “أشرف” أن يشغل وقته داخل السجن بالكتابة، وخلق نافذة للحياة قد تواسيه أو تكون بديلاً عن العالم الخارجي الذي لم يعد يتواصل معه منذ أن سُجن، هو الذي لا يجد أجوبة عن سبب إهمال قضيته، ولكنه يبقى محتفظاً بأمل إعادة فتح القضية ليطلق سراحه نهائياً.

السجن لشاعر كفياض غير الكثير من تفكيره، وقد يحتاج الأمر وقتاً طويلاً ليستوعب كيف نجا من حبل المشنقة، وكيف أن حريته قيّدت بسبب كلمةٍ أخذت بتأويل، وكيف دفع كل هذه الأثمان رغم عدم وجود نص صريح يحاكمه، ورغم نفيه الخطي لما نُسب إليه ورفض استتابته.

ويبقى التساؤل مطروحاً أمام المجتمع الدولي، هل سيتم استغلال الإصلاحات التي تهدف للمساهمة في انفتاح وتحديث المملكة، وتشمل المؤسسات الدينية والقضائية، لصالح معتقلين كثر على ذمة آراءهم الفكرية وعلى رأسهم “أشرف فياض”، أم أنها تدرك أن النظام السعودي لايزال يسير على نفس النهج المتعصب والقمعي المعادي لحقوق الإنسان؟

أبواب تنشر مجموعة من القصائد الجديدة لأشرف فياض من مجموعته الشعرية الجديدة: “تاريخ مرضي”، والتي يهديها إلى: (حرقة فم المعدة التي لم تفارقني منذ الولادة!).

تشققات جلدية

وطني مرّ من هنا

منتعلاً حذاء الحرية

ثم مضى بعيداً تاركاً حذاءه وراءه!

كان يركض بإيقاع مضطرب.. مثل إيقاع قلبي!

قلبي الذي كان يركض باتجاه آخر دون مبرّر مقنع!

حذاء الحرية كان مهترئاَ، بالياً، ومزيفاً!

مثل باقي القيم البشرية بمختلف مقاساتها.

كل شيء تركني خلفه ومضى.. بما في ذلك أنتِ.

الحذاء اختراع محيّر

يثبت عدم أهليتنا للعيش على هذا الكوكب!

يثبت انتماءنا لمكان آخر لا نحتاج فيه للمشي كثيراً.

أو أن أرضيته مفروشة بالسيراميك الرخيص.. الزلق!!

ليست المشكلة في الانزلاق بقدر ما هي مشكلة الماء.

ومشكلة الحرارة، والزجاج المكسور، والأشواك، والأغصان المتيبسة، والصخور المدببة!

الحذاء ليس حلاً مثالياً

لكنه يؤدي الغرض المنشود بطريقة ما.

تماماً مثل العقل..

ومثل العاطفة.

عاطفتي انطفأت منذ رحلتِ آخر مرة، ولم أعد قادراً على الوصول إليكِ..

منذ احتجازي داخل صندوق اسمنتي مطعّم بالقضبان المعدنية الباردة..

منذ نسيني الجميع، بدءاً من حريتي.. وانتهاء بحذائي المصاب بأزمة في الهوية!

أشخاص قد تعرفهم

قرر الإنسان أنه ليس كباقي الحيوانات

ثم أطلق على نفسه إنساناً..

وبدأ في البحث عن سبب وجيه واحد

لكونه بهذا الشكل

وفي مكان ما.. ضلّ الطريق!!

حرقة فم المعدة التي لم تفارقني منذ الولادة!

العالم هذا الصباح يشبه معدتي المصابة بالقرحة، يشبه الصداع الذي يقضي عطلته الاسبوعية في رأسي، يشبه أكوام الزجاج المكسور.. التي تملأ ذاكرتي.

لم يعد العالم على ما يرام. منذ أن توقفت عن القلق بشأن الزجاج، وبشأن عدم استلامي الرد على رسالتي النصية لمدة تجاوزت العشر دقائق.. وفشل السيدة كلينتون في تزعّم الحزب الديمقراطي!

لا تبحثي عني، سأكون موجوداً عند كل رشفة قهوة، عند استراخائك اثناء جلسة روتينية لتنظيف البشرة، عند رغبتك بالضحك أو البكاء.. وبالارتماء في أحضان أحد ما.. عند عجزك عن مقاومة الأرق الذي أعرفه جيداً، عند عدم رنين هاتفك المحمول أثناء ساعات نومك الطويلة، عند دخولك غيبوبة الكتابة، عند عدم رغبتك بالكلام، عند مشاهدتك لفيلم سينمائي بغض النظر عن مستواه الفني، عند دغدغتك للأرض.. أثناء ممارسة رياضة المشي عند سماع أغنيتنا المشتركة.. التي لم نتفق على تحديدها حتى الآن!

دواعي الاستعمال

الفن هو الكذبة التي اختلقناها لنصدق هذا العالم

الكذب شيء.. والتصديق شيء آخر، وليس بالضرورة أن كل ما نصدقه حقيقي

وليس بالضرورة أيضاً أن يكون هنالك ما يستحق التصديق

في الأخبار، في الإعلانات التجارية، في الملابس، في صور الفنادق على موقع Booking

في جميع الكتب المقدسة المعترف بها، وفي رؤيتنا لمن نحب، بشكل أوضح قليلاً..

لم يعد مهماً أن نصدق أي شيء

فنحن سنتفرغ فيما بعد..

لمحاولة تكذيب ما صدقناه

ويحدث ذلك غالباً، بعد فوات الأوان!

جلطة دماغية

أعيش أوقاتاً صعبة

والنوم يتصرف كمراهقة وقعت في الحب حديثاً

لن أتطرق لحالة قلبي

ولا إلى الاضطرابات النفسية التي تشبه فقاقيع ماء تجاوزت درجة الغليان

أنا جزء من الكون.. غضب عليه الكون

أنا جزء من الأرض شعرت تجاهه الأرض بالحرج الشديد

أنا بشري بائس

عجز البشر الآخرون عن التزام الحياد معه

الحياد وهم

مثل كل الفضائل التي يتحدث عنها البشر بشكل نظري بالغ الوقاحة

الحق تعريف ناقص مثل الإنسان تماماً

والحب يتنقل كذبابة بائسة

احتجزت داخل مكعب زجاجي

الحرية أمر نسبي جداً

فنحن نعيش في النهاية داخل سجن كروي الشكل

قضبانه من الأوزون

وعندما نتحرر منه يكون مصيرنا الموت المحتوم

أعجز عن الضحك

أعجز تماماً حتى عن الابتسام

أعجز في نفس الوقت حتى عن البكاء

أعجز عن التصرف كبشري ولا يحزنني ذلك على الإطلاق

لكنه يؤلمني كثيراً

أن يكون لديك جسد مغطى بشعر خفيف

وأن تمشي على قائمتين

أن تعتمد كلية على عقلك

وأن تنقاد وراء شهوتك لأقصى حد

أن تُحتجز حريتك

وأن يقرّر الآخرون قتلك

أن تفتقد البشر الأكثر قرباً منك

دون أن تسنح لك فرصة وداعهم

ما فائدة الوداع؟

غير أن تترك انطباعاً حزيناً

ما فائدة اللقاء؟

ما فائدة الحب؟

ما فائدة أن تكون حياً إلى هذا الحد

في حين يموت الآخرون حزناً عليك؟

رأيت أبي آخر مرة خلف زجاج سميك

ثم رحل دون رجعة

لنقل بسببي

لنقل أنه لم يحتمل فكرة أن أموت قبله

مات أبي وترك الموت يحاصرني

دون أن أخاف منه بالشكل الكافي

لماذا يرعبنا الموت لدرجة الموت؟!

رحل أبي بعد أن قضى زمناً طويلاً

على سطح هذا الكوكب

لم أودّعه بشكل لائق

لم أحزن عليه بشكل لائق

وعجزت عن البكاء

كعادتي التي تزداد قبحاً مع مرور الوقت

العسكر يحاصرني من كل اتجاه

ببزّاتهم ذات اللون الفقير

تحاصرني القوانين والأنظمة والتشريعات

تحاصرني السيادة

التي لا تستطيع الكائنات الحية التخلّص من غريزتها عالية التركيز

تحاصرني وحدتي

تخلقني وحدتي

يختفي الاكتئاب والتوتر والقلق ويقتلني الندم على انتمائي للبشر

عجزت عن توديع كل من أحببتهم ولو بشكل مؤقت

عجزت عن ترك انطباع طيب عن آخر لقاء

ثم استسلمت لبنادق الشوق المصوّبة نحوي

رفضت رفع يدي وعجزت عن التحرّك

ثم كبّلني الحزن ولم يفلح في إجباري على البكاء

الوعي ينهشني من الداخل

ويقضي على كل فرصي بالنجاة

الوعي يقتلني ببطء

والوقت تأخر كثيراً على الشفاء منه..

 

  اقرأ أيضاً:

همومٌ لغوية عن سطوة العربية.. لغة العالم

“سنعلّم الزمن كيف يمشي”

الكاتب وترويض وحش المنفى

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

أَجبْني ما العمل…!؟

مسرحية من فصل واحد علي جازو* (شخصان على رصيف شارع ضيق فارغ. الوقت مساء، عتمة كثيفة تمتزج أحياناً بإضاءة خافتة من مصباح أرضي قريب). الأول: لقد وعدتَني… الثاني: كنتُ حزيناً. كيف تطلب من حزين أن يفي بوعد! الأول: أنت تعترف، إذن لذلك… (يقاطعه الثاني) الثاني: ...