الرئيسية » باب أرابيسك » في تبديل المنافي والاغترابات / كوابيس لاجئ سوري 1
اللوحة للفنان شادي أبو سعدة

في تبديل المنافي والاغترابات / كوابيس لاجئ سوري 1

* عمر دياب

هذا النص جزء من نص طويل سيتم نشره تباعاً

 

“آخر راكب عالشام” هكذا كان ينادي سائق تكسي في كراج البور، أغنية الشيخ إمام تصرخ من راديو السيارة “ممنوع من السفر”، في ذات الوقت لم تكن لدي وجهة إلا السفر، اسطنبول وجهة جديدة، وعالم آخر ما زال مجهولاً، إن كان يصلح لغربة خفيفة، هكذا ودعت بيروت وأنا ممنوع من السفر.

ستة أشهر في بيروت، تحملها معك كوزن زائد من الذكريات والأمل بعودة عسى أن تكون أجمل. لم تكن بيروت بعيدة عن دمشق، ولم تكن قريبة بنفس الوقت، ثلاث ساعات في التكسي بين المدينتين، بيروت التي تجترُّ بقايا الحرب الأهلية القديمة لتذكرنا نحن السوريين بما يمكن أن تكون عليه دمشق يوماً. في بيروت المدينة، التي تلفظك أحياناً، عسير عليك أن تمشي بذات العنفوان الذي اعتدت عليه حين كنت تكسر المحظور في سوريا، هنا لا قيمة لعملك وتاريخك وأشيائك القديمة، هنا عليك أن تعتني بليل المدينة!

المدينة الساحرة والمهترئة التي تجبرك على عشقها،

أول ما يلفت نظر السوريين مثلي هو رشقات رشاش الدوشكا على البنايات والجدران التي لم تتعافَ بعد من حربها القديمة، تذكرنا بمدننا التي طالها سلاح العدو، وربما تحكي لنا ما ستؤول إليه دمشق يوماً ما. في لبنان ببساطة يمكنك أن تكتشف “لبنانات” كما عرفت من قبل أن هناك في سوريا كان هناك “سوريَات” وليس سوريا واحدة.

ويمكنك أن تلجأ إلى لبنان الذي يشبهك، هنا ستجد من يتضامن مع قضيتك ويدعو لكم بالنصر، ستجد أيضاً من يشبّح عليك ويقدم التحيات لحزب الله، الذي يقتحم مدينتك وأنت بعيد عنها. ستجد من لا يهتم لأمرك ولا يعنيه ما يحصل، ستجد من يساعدك ومن يتهيأ الفرصة لإيذائك.

المسافة بين بيروت والشام لا تقاس بالأمتار، هي أبعد من ذلك وأقرب أيضاً، ببساطة بيروت هي دمشق أخرى تقع على البحر، مع فائض مريح من الحريات والأصدقاء ودور الثقافة. كثيراً ما عانيت لأشرح لأصدقائي اللبنانيين ماذا يعني الفرق والتشابه والمسافة بين المدينتين، وحدهم السوريون كانوا يفهمون ما أفكر به. الأبشع من كل هذا أنني كنت أعرف أن بيروت هي محطة، وأنه علي أن أغادر عاجلاً أم آجلاً. وأسوأ ما قد يحصل لمهاجر مثلي أن يقع في حب البلاد! بالطبع كان أكبر أحلامي أن تكون هذه المغادرة نحو دمشق، لكن دمشق كانت منفىً مثلما كانت بيروت المنفى الأقرب إلى دمشق.

حين أقول: منفى، فأنا لا أقصد ذاك المنفى السياسي لسعد زغلول أو جمال الدين الأفغاني أو ولاة السلطان العثماني في قبرص ومالطا، بل أقصد الهجرة والرحيل والنسيان والهروب واللوذ. كانت بيروت منفى ومهجر ومرحل ومنسى ومهرب وملاذ، في ازدحام الأخبار القادمة من دمشق كانت تزدحم بيروت شيئاً فشيئاً بالسوريين، كان الأمر ممتعاً ومحزناً بالنسبة لي. رأيت أبناء بلادي يتركون بيوتهم ومدارسهم وأعمالهم، يهربون من الموت بعائلات غالباً ما يغيب الموت أحد أفرادها، لكنهم ينتشرون حولي في الوقت الذي ما زلت مخدراً والبلاد تضيق بي.

كتبت ذات يوم بعد سهرة على قارعة الطريق: “هذا المكان جميل لن أبتعد أكثر”. الفرق الوحيد بين سوريا المنفى وبقية المنافي في العالم هو الارتباط بالمقابر، هي مجرد شاخصات لأشخاص لا تعرفهم، والناس هنا لا يحتفون بالموت كما كنا نفعل في مقابرنا التي ضاقت بنا، مقابرنا أصبحت مخابئ، ووجوهنا بلون التعب، وأصواتنا تئن، ينزل الصوت من هدير صارخ إلى ريحٍ خافت في كل خطوة ابتعاد.

ممنوع الوقوف/الثورة مستمرة

في النهاية لم أكن أتخيل أن مدينتي “الزبداني” ستجثو على ركامها مثل مفجوع بولده يطيل السجود تقرباً إلى الله. كان مشهد الركام المتناثر في أحياء المدينة يعصر القلب، كانت الجدران متهاوية تلامس طرقات المدينة، الجدران التي أبدع فنانو الغرافيتي في طلائها. كتب على أحد جدرانها “ممنوع الوقوف/الثورة مستمرة”، شباط 2012 رأيت بأمّ عيني مئات الدبابات القادمة من دمشق حاملة معها بضاعة الموت الرائجة في البلاد. كانت هذه آخر مرة أرى فيها مدينتي بثوبها الجميل، قبل أن تتربع الدبابات على الجبال المحيطة وتمزقها إرباً إرباً. بالرغم من ذاك الدمار والخراب وأكوام الركام كانت الزبداني مكاناً مفضلاً للعيش، كانت منفىً من نوعٍ آخر! الزبداني هي آخر مكان شعرت فيه بالوطن وكلّ ما تلاها منافي.

دمشق كانت منفى، وبيروت كانت منفى حين تشبه الوطن.

كنت مع الكثير من أصدقائي نبحث عن حياة، نبحث عن معنى في البلاد التي أصبحت خراباً. لم يطل الوقت حتى بدأنا جميعاً بالتفكير في الخلاص، كان يهجسنا الخلاص الجمعي بدايةً، ثم انتقلنا إلى الهاجس الأسهل والأسرع الخلاص الفردي.

هذا الاغتراب القسري لطالما ارتبط بكل ما نحمله من مآس في لاوعينا الجماعي. لفظة المنفى ثقيلة هنا، يمكنك أن تقول اغتراب أو تغريبة كجمع لاغترابات السوريين وغربتهم وغرابتهم في عوالمهم الجديدة. الشتات والضياع مفردات تفي بالغرض أيضاً! ليس حقاً أن السوريين تصالحوا مع فكرة الرحيل، حتى أولئك الذين يعيشون حياة مريحة في مدن جديدة، واستطاعوا أن يندمجوا في مجتمعات غريبة يتكلموا لغات أخرى ويحايثوا تقاليد جديدة. تبقى فكرة العودة ملازمة لكل رحيل، العودة وما أعبأ هذه الكلمة علينا، نحن الذين نعرف ثقلها، ونعرف أنها أرهقت شعباً يعيش بجوارنا سبعة عقود من الزمن! السوريون يعيشون حالة انتظار، انتظار جماعي وقسري، وحلم بعيد بذوبان لوح الجليد الذي يرزح فوق بيوتهم التي تركوها منذ زمن ويخافون أن تصدأ مفاتيحهم قبل الرجوع. الهرب والملجأ القسري الذي لا مندوحة عنه، كان عنوان السوريين، السوريون مثلي على الأقل.

الكابوس الذي لا ينتهي

النزوح أيضاً كلمة تفي بمعنى المشكلة، فالنزوح في الأصل من النزح، وهو مجترحٌ من فعل مشابه في اللفظ وهو النزف، وعادةً ما يحدث لأسباب خارجة عن الإرادة، ويمكن استخدام الفعل القسري منهما، تنزيف وتنزيح.

غياب المعنى الحقيقي، هو في غياب الدلالة، أو المعنى التداولي للكلمات، الأماكن التي كنا نعيش فيها في الزبداني كانت تتغير باستمرار لتغير ظروف السلامة، دوماً كنا نبحث عن مسكن مختبئ أكثر، بعيد عن أعين القناصين ومناظير الدبابات، وأن يكون تحت الأرض. النزوح داخل نفس المدينة كان يعطينا إحساساً بالغربة، الفارق الدلالي بين الوطن والأشياء الأخرى هو في سماكة الغبار الذي يتكثف فوق حقائبنا التي اعتدنا أن نركنها في دهاليز البيوت وأسقفها.

بكل بساطة كانت سوريا منفى، وغربة، ومهجر، مع ذلك الفارق الرفاهي الذي يُعتقد أن يرتبط بما هو غير الوطن، خصوصاً لأولئك الذين ينتمون لدول غير ناجزة، ولأوطان لا معنى لها سوى ذلك الارتباط الرومانسي، والقصائد والمعلقات التي ينظمها الشعراء في حبّ التراب.

ببساطة ما حدث للسوريين كان كابوساً: الكابوس. لا يمكن أن أحكي للآخرين عما حصل لنا دون أن أستخدم هذه الكلمة، الكابوس الذي لا ينتهي، الصخرة التي يصعب أن ننحت عليها ما نؤمن به، الصخرة الثقيلة التي لم تسقط عن أكتافنا. الكابوس كلمة لا تجمع ولا تؤنث، الجمع كوابيس، أو كابوسات مثلا، في الحالتين هذه الألفاظ رومنسية وخفيفة ولا توحي بوقع ثقيل، لا توحي برائحة الملح المتجفف على رقابنا التي أفرزت العرق الكثيف، والتي مسها الدم، الدم مالح أيضاً. الكابوس عليه أن يكون قاسياً جلفاً ثقيلاً وللأسف لا تترجم، رعبٌ ليلي! توحي هذه الكلمة بمصاص دماء مثلاً، أو أفلام تقطيع الأوصال بواسطة منشار كهربائي، هناك كلمات يجب أن تترجم كما هي، أن تحمل وقعها كما في لغتها الأم، لأنها لا تحتمل التأويل والتلاعب اللفظي.

لا منفى إذاً إنما تغريبة وغربة واغتراب وتغاريب.. رحيلٌ ورحال وترحال وتراحيل، ضياع وشتات، هروب وتهريب، نزوحٌ وتنزيح!

* عمر دياب / كاتب سوري مقيم في ألمانيا

اقرأ أيضاً:

خوفٌ مؤنث على هامش الحرب والمنفى

عن أسامة اسماعيل

x

‎قد يُعجبك أيضاً

همومٌ لغوية عن سطوة العربية.. لغة العالم

راتب شعبو * امرأة ثمانينية نشيطة أكثر من الصبايا، تقاوم العمر بالعمل التطوعي في جمعية أهلية لتعليم اللغة الفرنسية، بعد أن صارت في سن التقاعد. تتحرك كالنابض أمام اللوح وهي تشرح الدرس الفرنسي لمجموعة من الحضور المختلفين بالجنس والجنسية واللون والعمر والوضع القانوني وسبب الوجود في ...