شُرفات العويل

مرح مجارسة | شاعرة من سوريا.

 

جثمانُكَ المَحمولُ على أكتافِ أيّارَ
في مَسيرِ الوُجوهِ المُفتَّتةِ ساعاتِ الظهيرةِ

أعرتُهُ حبلاً من حبالي الصَّوتيّة

ليربطَ بِهِ حذاءَ الجنازةِ،
والنَّدّاباتُ كُنَّ بالعباءاتِ السّودِ
يَعبرنَ حوافَّ المدينةِ بخطىً ضيِّقةٍ
ويَكوِينَ جراحَ بطونهنَّ بالأسيدِ
قالتِ الثكلى:
“جاءَني وطلَبَ المغفرة
قرأتُ عليهِ البسملةَ
ونفختُهُ لمَصيرهِ”.

 

… لكَ أن تمدَحَ الشوكَ في مَنشورٍ سرِّيٍّ
أن تغشَّ الميزانَ بدمٍ أكثرَ
وتجلسَ مع ميتتكَ الهزليةِ وبقايا اللَّحمِ على الخُوَذِ لتُحاوِرَ الوجوهَ التائهةَ حولَ طاولةٍ يختبئُ تحتها الوطنُ؛
ولي وطني… أخبِّئُهُ في كتابي
كوردةٍ يابسة… قدَّمَها لي حبيبٌ سابقٌ

 
هذا الولدُ النبيُّ الصغيرُ
يلعبُ بالدَّحلِ على قارعةِ الحربِ
يُضرِمُ كفَّهُ في جيبهِ بحثًا عن حارتِهِ وأصدقائِهِ وسريرِهِ
لا شيءَ يلمَعُ في المَدى الذي ثقبَهُ الرصاصُ إلا ضوء الكارثة
فكلُّ الاشياءِ في الحربِ خُردةٌ
الشعراءُ شحاذو الأزرقِ
يصرخونَ يهربونَ يكتبونَ يكتتبونَ
يحرقونَ خيوطَ الكلماتِ في حَلْقِ الكتبِ السَّميكةِ
ويطفئونَ سجائرَهُم في مِنفضةِ العبثِ

 

… لكَ أن تغمسَ خيبتكَ بالطَّحينِ، وتراوغَ شِرشَ الهواء في غلاصمِ السَّمك؛
ولي منديلي.. أقفُ خلفَ الحائطِ الباردِ لذاكرةِ الرَّملِ.. وألوٍّحُ بهِ…

لكَ أن تفضَّ نفسكَ وحيدًا على أريكةِ تحومُ فوقها طيورُ العدمِ
وتحرسَ العشبَ الذي ينمو ببطءٍ على فوَّهة المدفعية؛
ولي أن أعيدَ تقطيبَ أزرارِ الشّبقِ لسريرٍ لستَ فيه.

 

 

لنحزنَ أقلَّ إذن
لم يعُدْ هناكَ ما نخشاهُ في الحربِ
أُصلِّي لأنفِي دمي إلى مدينةٍ أكثَرَ كُفرًا
أقضمُ تفاحيَ الأسودَ وألعَنُ شرنقةَ البدء،

والخللَ في التَّهجينِ بينَ أصابعِ الله وأصابعِ الجريمة.

 

… لكَ أن تنتعلَ الريحَ حذاءً تدوسُ به الوقتَ الإضافيَّ لخسوفِ التَّوابيتِ فوقَ الضلوعِ الهزيلةِ
وأن تتبادلَ مع جيرانكَ الأواني المكسورة كما تتبادل هدايا عيدِ الميلاد وعناوينَ الأخبار؛
ولي أن أتبعكَ كعقربِ ساعتكَ وأدقَّ منتصفَ كُلِّ معركةٍ… فيستريحُ الموتُ قليلاً

 

الحربُ أرملةُ الحبِ
أنثاهُ بشَعرٍ مُجعَّدٍ وساقين نحيلتين
وكفٍّ تكتبُ وتلطمُ.
النَّرْدُ الذي رماهُ الغيب… مَسمومٌ
أوَّلُ النطقِ عطشٌ، والطريقُ إلى ثديِ أمي لهاثٌ كثير
وهذهِ الشهوةُ بردٌ ونومٌ من دونِ غطاءٍ.

 

… لكَ أن تضحكَ كثيرًا لتحتفي بنكتةٍ بطعمِ الخردلِ وتركنَ وجهكَ في العتبة وتدخل بيتكَ حاملاً رحمكَ المقطوع.
أن تتضاءلَ كالبَرَدِ وتستحمَّ بدمكَ على شاشةِ التلفاز…
لكَ أن يغويكَ عارُكَ المَسفوحُ على درَجِ البنايةِ
وأن يضيقَ عليكَ ربُّكَ… فتخلعهُ؛
ولي أن أنفضَ البُنَّ عن القصيدة، وأغلي وحدي..
وأمشي في جنازةِ هذا الكوكبِ من دونِ أن أنحازَ إلى شُرفاتِ العويل!

 

كلُّ ما لا يُسمَّى مَرميٌ في بِرْكة العطشِ
والأسماءُ تفرُّ في القوارب…

نوحٌ يغرَقُ وحدهُ
هواءُ مُدُنِ القتلِ يلثمُ غسيليَ على الحبلِ
تهقُّ ذاكرتي بخطىً مُستعجلةً، فيتعثَّرُ الزمنُ الرّطبُ في ثوبي
وتفوحُ رائحةُ الرُّقعِ في ملابسي الداخلية،

يسيلُ منها المجازُ دمًا خلفَ دمٍ

فأخرُجُ من الهامشِ إلى المَعنى بلا غطاءِ رأسي…
وأفردَ شَعري.. شاحناتِ دمعٍ طائرةً
رسائلَ نصِّيّةً لا تهمُّ أحدًا

وثمارًا مَفروطةً

تتدحرَجُ من سلَّةٍ أفلتَتْ من يدِ الجبلِ

——————————————————–

للشاعرة في أبواب:

أقبية للنِّسْيان