الرئيسية » باب أرابيسك » شعب الـ “يعلي”

شعب الـ “يعلي”

فرح يوسف.

 

يزدحم حائط الفيسبوك لدي اليوم بمنشور شاركه العديد من أصدقائي وصديقاتي، يتحدّث هذا المنشور عن الرومانسية المفرطة في تعبير “tu me manques” الفرنسيّ، والذي يعبّر عن الاشتياق، ما أبهر المشاركين هو الترجمة الحرفية للتعبير وهي “أنت تنقصني”، ولا أعرف في الحقيقة ما السرّ في انبهارنا بكلّ ما هو أجنبي، باعتقادي مصيبتنا هي الاعتياد، لفرط ما استخدمنا تعبيراتنا لم نعد نسمعها، لم نعد ندرك عمق دلالات غزلنا.

عن نفسي يربطني باللغة العربية ما يجعل الاستقرار في أوروبا كابوسًا حقيقيًا، لديّ استعداد للتضحية بالكثير على حساب السير في شوارع تحمل لافتات مخططة بحروف عربية، وتنفذ إلى سمعي من سياراتها ومتاجرها أغان عربية، وإن كانت هابطة ولا يمكن إدراجها إلا تحت بند التلوّث السمعي.

لمن هم مثلي تبدو كلمة “I love you” “مايعة” ولا يمكن استخدامها إلّا كتحية في نهاية محادثة، تمامًا ككلمة سلام مثلاً، ولا تغريني الـ je t’aime beaucoup دون أن يتبعها “ضّلك طلّ عليي”، ولم أتيقّن من غنى لغتي قبل حرماني التعبير بها، أسكن الآن فرنسا، بلاد الـ”أنت تنقصني” هذه، فلماذا لا تكفيني لغتها؟

واقفة أنا الآن أمام معلمتي وهي تعتذر عن الدرس القادم لأنها ستجري عملاً جراحيًا، أسكت تمامًا فاللغة التي تفهمها خالية من “يعلي ما على قلبك شر”، هذه الـ “يعلي” مكوّن رئيس في لغتنا، كانت الويل لي أو ربّما ويلاه، فليحلّ عليّ العذاب أو تعبيرًا للندب، خففناها فصارت “ولي علي” ثمّ أصبحت هذه الكلمة العظيمة، “يعلي”، فليقع عليّ العذاب لا قدرة لي على الراحة في عذابك، هل تعادلها إذًا dommage؟

وللعذاب هنا أشكال كثيرة، البرد الخفيف عذاب لدى أمهاتنا، “يعلي بردان؟”، الصداع عذاب لدى عاشقاتنا، “يعلي راسك عميوجعك؟”، الرسوب في مقررٍ عذاب لدى زملائنا، “يعلي رسبت المادة؟”، إننا دائمًا على قيد رغبة بافتداء عذابات من نحبّ، حتى إن لم ندرك أننا كذلك.

وفي هذا يبدو تناقضنا وأنانيتنا المفرطة، تأخذ محبتنا شكل التضحية، شكلها فقط، كيف ذلك؟ هؤلاء الذين نخاف عليهم البرد والجوع وشكّة الإبرة في عيادات الأطباء نتمنى أن يحملوا عنّا عبء الحياة دون من نحب، لا قدرة لنا على الاستمرار في العيش بعد أن يرحل من نشاركه عذاباته، “تقبر قلبي” ليست مجرد كلمة، و”تشكل آسي” ليس مجرد تعبير، إنك عندما تتمنى أن يعلّق الحبيب الآس على قبرك فأنت تروي ذعرك الشديد من حياة ليس فيها.

ربّما لأننا شعب لم يعش دون كوارث وفواجع وحروب، ولم يعرف حياة تخلو من الموت الفجأة، فرادى وجماعات، ربّما.

كيف لي، ابنة هذا الإرث، أن أحبّ شابًا لا يفهم الـ “يعلي” ورغبتي بأن يقبر قلبي؟

ثمّ إن الحب في بلادي درب طويل وخطر، على العاشقين أن يعبروا حواجز المناطقية والطائفية والطبقية، دون أسلحة تعينهم على عفونة الزمن، على الشاب أن يكون جبلاً حقيقيًا، وعلى الفتاة أن تصير إلهة، هل تكفي في هذه الحرب “I love you”.

عليه أن يقول لها “ولك بحبّك” مع كلّ شدّات اللغة على باء البحبّك، “ولك يقبرني ربّك”، وعليه أن يكفر بواحًا حتى إن لم يكن مؤمنًا ويقول “يلعن سماكِ شو بحبّك”، وعليها أن تردّ بشيء يشبه “يلعنك شو بحبّك” وإن قالتها فهي قد وصلت أعلى درجات العشق معه، هذا العشق الذي يجيء مشوبًا بالكره اللذيذ، فعن أي “I love you” تتحدث الدمى المحشوّة البلهاء وبطاقات المعايدة الباردة؟

من نحن؟ نحن شعب “ولك بحبّك”، نحبّ حدّ إرهاق رصيدنا من اللغة، ولا يتبقى في جيوب الكلام سوى “شو هاد؟” لنعبّر عن جمال لا يمكن وصفه.

من نحن؟ نحن الشعب الذي يوصى بأن “يدير باله على حاله”، لا نقول اعتن بنفسك كباقي الشعوب، نقول دير بالك على حالك لأننا معتادون كثيرًا أن يكون بالنا جهة الآخرين، أن تكون الأولوية للآخرين، أن نمنح الصندويشة لأصدقائنا، ونقدّم معاطفنا لزميلاتنا، ونقفز أمام السيارات بدلًا عن أحد العابرين.

نحن نتلقى رصاصة فداء لغريب لا نعرفه، نركض في مرمى القناص المهووس بالعيون لنسعف طفلاً، قالت له أمه دير بالك على حالك وعاد لها بعين واحدة وطفل.

لا يطاوعنا هذا البال العنيد ولا ينثني ولا يستدير، أو أننا لا نقيس “حالنا” بالاعتبارات المادية، أن نعود أبطالاً، أو بشرًا، خير لنا من أن نعود بعينين “تفرّجتا” على طفل يحتضر، إننا ندير بالنا على حالنا فعلاً.

ماذا سيقول لها حين ستبكي فخورة به، فخورة لأنه لم يترك صديقه جائعًا، أو لأنه كان راقيًا حين عاكس زميلته بالدفء، أو لأنه عاد بثقب في الكتف ليوفّر أبًا لأطفاله الخمسة؟

سيقول لها “تسوين قلبي”، ولن تجد اللغات كلمة بقدرة هذه الكلمة على أن تداوي.

هل تقّدر معنى أن يساويك أحد بقلبه؟ إنك ما يبقيه حيًا، إنك ما يجعله إنسانًا، إنك المسؤول عن سير الدفء في عروقه، إنك “تسوى قلبه” وفي التفسير قتل للمعنى.

هل تتخيل أن اللهجة الحلبية التي لم أستطع يومًا هضمها لا تخلو من “فرط قلبي على شوفتك” و”أبوس روحك”، هل سبق وأحببت روحًا للحدّ الذي ترغب معه بتقبيلها؟ نحن أحببنا للحدّ هذا وأكثر، أحببنا حتى تبعثرت قلوبنا وما من لغة أخرى تلمّها.

لا تدع “أنت تنقصني” تخدعك، لن تنفعك حين تشاهد طفلًا ظريفًا، “سو كيوت” لا تشبه “حياتي مَا أحلاه” في شيء، ولا يمكنك أن تقول “اسمالله مأحلاه”، هذا المخرج من نظرات الأم القلقة، تطمين بأن لا نية لنا بإصابة طفلها بالعين، وحين يتعثّر تأكيدًا على شكوكها لا يمكنك أن تقول “يعلي”، مجددًا “يعلي”.

“تصبح على خير” لا ليلة سعيدة في قواميسنا، النوم -مهما طال- فعل سلام، أما أن تستيقظ في بلادي فهذا ما يتطلب أصدق التمنيات بالخير.

بلادي، حين أقول “ساعة مو تيق أغيب عنكي”*  فإنني أعنيها أكثر من اللازم.

———————-
* تعبير رائج في اللهجة “الجزراوية” في سوريا، ويعني لا أطيق غيابي ساعة عنك.

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

قبل أن أصير جُندبًا.. الضّباب من بدأ الحِكاية

   أحمد مارديني | حقوقي سوري.   تقديم..   لم تنتهِ الخطوط بعد الخطوط التي لم تحدث إلى الآن..     الفكرة التي تم التقاطها على مُكبرات الصّمت لم تكن فكرتي، بل حُلمي.   عندما كنتُ حيًّا، دائمًا ما حلُمت بالموت، ولكنّي دون أن أدري ...