حَمْلَةُ الرَّفيق نصر

حَمْلَةُ الرَّفيق نصر

 د.مازن أكثم سليمان

 

المُنجزاتُ التي أرويها لكُم

أشواكٌ في حديقةٍ هجَرَتْها الأزهارُ

الجرائمُ لا تسقطُ بالتّقادُم

تُولَدُ وتنمو وتستبدُّ بما تستطيعُ ترويضَهُ

كالذّاكرةِ حينَ تَمِيعُ ولا تلمَعُ

وتصُبُّ مَشاهدَها في حُفرةٍ قديمة

أو كيومٍ من أيام الرَّفيق نصر

حينما وزَّعَ أوامرَ الاحتفال في المدرسة

وكلَّفَ كُلَّ طالبٍ بدَفْعِ مَبلَغٍ

وشراءِ صُوَرٍ وأعلام

فالمُناسبةُ وطنيّة عظيمة

وسيأتي الطَّبّالُ والزَّمّارُ

حلَقاتُ الدَّبكة ستُعقَدُ

وستُلقى الكلماتُ الخالدة

فلا خوفَ من مكانٍ لا يُجَنُّ فيهِ قمَرٌ

ولا داعٍ للتَّعَبِ على رسْمِ الابتسامات

الرَّفيقُ عالِمٌ بكُلِّ شيء

وحدقاتُ العُيون مهما اتّسعَتْ

بينَ (استارِحْ واستاعِدْ)

لنْ تخترعَ حدَثًا جديدًا

جميعُ الصُّروح العِملاقة

بُنيَتْ زمنَ الفُتوحات

والكهرباءُ سَرَقتْ منَ العُقولِ شُعلَةَ النّار

كُلُّ النّتوءات الشّاذّة مسَّدَها الإسفلتُ

والتّشابُهُ نحَرَ كُلَّ خُصوصيّة

فلا شيءَ في الأعالي قد يُرَفْرف

ولا شكَّ مَسموحٌ بهِ بعدَ الآن

-هكذا ردَّدَ الرَّفيقُ نصر مرارًا-

وإلّا رسبتُمْ في مادّة التّدريب العسكريّ

وفشلتُمْ في فكِّ وتركيب البارودة الرُّوسيّة

أو ربّما طُرِدْتُمْ من الحزب

حتّى لو كنتُمْ تحضرونَ الاجتماعات

وتدفعونَ الرُّسوم..!!

 

. . . المُنجزاتُ التي أرويها لكُم

تلتقي جميعُها كالرّوافدِ في ذلكَ اليوم التّاريخيّ

حينَ أعلنَ الرَّفيقُ نصر:

 

“غدًا..

حَمْلَةُ تفتيشٍ واسِعة

إيّاكُم أنْ تنسوا القُبّعةَ العسكريّة أو الرُّتَب المدرسيّة

على الملابسِ أنْ تكونَ مُوحَّدةً كاللّيل

وعلى الأظافرِ أنْ تُقَصَّ كالخَوَنة

ومن يهربُ خلفَ الحَمّامات

-حيثُ المَلاذُ الآمِنُ للمُدخِّنينَ

وحيثُ العادةُ السِّرِّيّة

تُرتِّبُ العلاقةَ معَ الآخَر-

سأُعلِّقُ مِشنقتَهُ

وأستدعي وليَّ أمرِه

ومَنْ يُخالفُني في شيءٍ

سيزحَفُ لساعتينِ فوقَ الحصى

ويتدحرَجُ كجرَّةِ الغاز

أنا الرَّفيقُ نصر

أحَدُ حُرّاس الدّولةِ الأُمناء

سَلُوني في أيِّ اختصاصٍ تودُّونَ

وسأُجيبُكُم، وأُطَمْئِنُ بالَكُم:

ستتكاثَرُ الصُّوَرُ والتّماثيلُ

والهالةُ المُذَهَّبةُ حولَ التّلفاز..[

 

. . . شارَكْتُ في حربيْن

وتزوَّجْتُ ثلاث مرّات

فتَحْتُ دُكّانًا في الحارَة

وساعَدَني قريبيَ اللّواءُ

على تسديد دُيوني

لساني مِرْجَلٌ

لِعبارات التّأنيب الزَّنِخة

فلا تُراوغُوني أبدًا يا بهائِم

مسكينٌ مَنْ سيُنظِّفُ ما تحتَ أظافرهِ

بحافَّة المِسطرة البلاستيكيّة

مسكينٌ مَنْ سيقرضُ مَخالبَهُ

داعيًا اللهَ أنْ تزيغَ عينايَ عنهُ

مسكينٌ مَنْ سيُردِّدُ في قلبهِ

-ارأفي بحالنا أيَّتُها الجُدران-

أريدُ أنْ يسمَعَ الكونُ غدًا

خَبْطَ الأحذيةِ العسكريّة الصّارِمة.

 

المُنجزاتُ التي تجرفُ الشُّجيرات كالقُمامة

طيَّرَتِ النّدى الصّباحيَّ

بعيدًا بعيدًا عن عُيون الأجيال

أهلَكَتْ طُيورَنا ذاتِ الزَّغَبِ الحَنون

بتُهمةِ التّآمُرِ على وطنِ السّماء العبقريّة

وظَّفُوا دُموعَنا في مجلّاتِ حائطِ السّراب

وكانَ الزَّيْفُ مُراقِبَ دوام الأغاني

هُناكَ حيثُ ازدادَ الذُّعْرُ رشاقةً

وامتصَّ العَجْزُ دماءَنا

الأحلامُ طائراتُ ورَقٍ تحت سُقوفٍ واطِئة

والطُّفولةُ عروسةُ لبنة مُمهَّدة بالوحل.

. . .

والآنَ..

تَؤوبُ الذّكرياتُ النّائمةُ تحتَ صَليلِ السِّياط

تستيقظُ المُروجُ دَمْغَةً في رئةِ العبَث

وعلى طريقِ العودةِ إلى البيت

تُغوي محطّاتٌ جميلة اللَّعِبَ

كي تفيضَ التّفاصيلُ حُبّاً على متْنِ الحياة القاسي كعضَلَةِ الرِّياضيّ

نخوضُ معاركَ مع المسافة

نُطَوِّلُها باللَّهْوِ كالمعكرونة، فتصيرُ الثّانيةُ دهرًا

يقفُ العالَمُ على إبهامِ طالبٍ يتقيَّأُ خوفَهُ اللّعين

فيتأوَّهُ حقلُ فراشاتٍ في عُلبةِ تلوين الزّميلة

كُراتٌ طائشة تتعاضَدُ في سلّةِ الوُجود

وآلهةٌ تُشِعُّ كحدِّ شَفْرةِ الضَّحِك

أو سُيولٌ ليستْ من ماءٍ، إنّما من أخْيِلة

وأطفالٌ يُقلِّبونَ تلالاً

لم يتمدَّدْ فوقَها البناءُ العشوائيُّ بعد.

 

. . . يا لتلكَ الأيام..!!

كم سَرَقنا الهرولةَ من أرجُلِ الوقت

وهرَّبْنا البراءةَ في طُرُقٍ فرعيّة

حلَّ علينا الرَّفيقُ نصر حُلولَ الكوارث

احتلَّ حقائبَنا

ملأَ الأدراجَ بالعصيِّ

تلذَّذَ بشهقاتِ الباكينَ

فَمَنْ منّا سيُؤجِّلُ واجباتِهِ الكثيرةَ للتّوِّ

ليصرُخَ بكُلِّ ما أوتيَ من شقاء:

 

]فَتِّشوا في مكانٍ آخَرَ..!!

هيَ بضعةُ أظافرَ مُهَرَّبة

لا تذبَحُ عنُقاً، ولا تفلُّ قفلَ سجن

هيَ بالكادِ تخدشُ حَياءَ العُمْرِ

أو تحكُّ أردافَ الرُّعب[

 

]فَتِّشوا في مكانٍ آخَرَ؛

المقعدُ ليسَ سيّارةً نقودُها

إنَّهُ حصانُ الكرَز الطَّليق

وصِياحُ الدِّيكِ المَحفورِ على الخشب

طَوْقُ نجاةِ خَيالِنا في العَواصِف[

 

]فَتِّشوا في مكانٍ آخَرَ؛

ووجِّهُوا حملاتكُم إلى أبعد ما يُمكِن

القُلوبُ تُريدُ أنْ تُرفرفَ كأُغنية

والأصابعُ تُريدُ أنْ تُلامسَ قوسَ قُزَح

لنْ أفتَحَ يدي للعصِيِّ مهما حدَثَ

لنْ أنبطِحَ تنفيذًا لأيّةِ عُقوبة

أيُّها الكيسُ الثّقيلُ

على ظَهْرِ الماضي

متى ستنأى عنِّي..؟!!

متى ستنأى..؟!![

. . .

مَنْ رُوحُهُ في مكانٍ آخَرَ

تتحسَّسُ فَرْدَتا حذائهِ الشّوارعَ

بحَذَرِ فأريْنِ صَعَدا خطأً

قعْرَ سفينةٍ أثناءَ تحميلِها بالبَضائِعِ

ثُمَّ نزَلا غريبيْنِ

في ميناءِ مدينةٍ قصِيّة.

د.مازن أكثم سليمان شاعر وناقد سوري.

مواضيع ذات صلة

قنّاص ورصاصة ووردة

الفَجوة …

الكتابة في رمال الحرب المُتحرِّكة