الرئيسية » باب أرابيسك

باب أرابيسك

هل يمكن أن تنسى دمشق؟

نيرمينة الرفاعي | روائية أردنية انسَ دمشق، الكتاب الخامس عشر من سلسلة شهادات سورية، طبع عام 2015 بدعم من منظمة الأورو-متوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان، وسأنوّه في البداية إلى أنّه قد يكون طبع أيضًا دعمًا للمدافعين عن حقوق المدن، عن حق دمشق في الذكرى، وحقّها في سرد يومياتها تحت العنوان الفرعي “يوميات الثورة والحرب والمنفى”، فدمشق موجودة في المنفى أيضًا، هي لا تترك ساكنيها بعد أن يغادروها، تبقى تحفر بأظافرها صخر أيامهم، دمشق المتغلغلة في الروح حتى عظمها، أسيكون لها نصيب من الذاكرة أم من النسيان في آخر الكتاب المزين غلافه بأحد شوارعها؟ تبدأ الحكاية بعد عام من الثورة، خروجًا من حمص، وصولاً بالسرّ إلى “قدسيا”، ثم إلى “مساكن بزرة”، وليس انتهاء ب”جرمانا”، حالة من “الاشتراكية” عمّت المدن التي تقاسم ناسها مساكنهم وطعامهم وشرابهم، بل وفي وقت المداهمات كانوا يتقاسمون الخوف أيضًا، لكل امرئ نصيب منه، يزرعه في قلبه بذرة صغيرة حتى تكبر، ثم يدع الأغصان لاحقًا تميل إلى حين يميل الضوء في المدن المعتمة، وهكذا وجد عمر يوسف سليمان نفسه يتتبع الورد على شرفات دمشق وهو يغادرها مرغمًا للمرة الأخيرة في آذار، 2012، ومن “نصيب” حيث صودرت بطاقاتهم السورية ووتم الترحيب بهم بالقول:”أهلا بكم، أنتم الآن لاجئون لدينا”، إلى “مخيم الرمثا” الذي غادره إلى “باريس” التي سهّلت به، فتاهَ في الشوارع خارج الزمان والمكان، محكومًا بلعنة الذاكرة. يعود الكاتب عامًا إلى الوراء، تتدفق الأفعال المضارعة إلى الوراء لترى البقعة السوداء التي لم ينتبه إليها من صرخَ بالحرية في بدايات 2011، ففي “سوق الحميدية” و”القلعة” كانت أعداد الجنود تكفي لاعتقال نصف سكّان دمشق، وعلى الرغم من الاعتقالات والمراقبة الأمنية وأخبار المجازر وكرسي التعذيب الذي كان يراه في نومه فقد طغت حلاوة كحلاوة “الراحة الدرعاوية” التي اشتراها من العجوز أمام الجامع الأموي على حديثه الحار عن الحرية. يوميات عمر يوسف سليمان في الثورة مليئة بالتفاصيل، الهروب والاختباء وتخطيط الشعارات بيد الأمهات، يأخذ بيد القارئ يشدّها أصبعًا أصبعًا ليؤلمه ويسمع صوت ...

أكمل القراءة »

شهرزاد.. إلى سليلة النور الأخيرة

أحمد شكري عثمان.   بحفاوةِ الماءِ الذي يرنو إلى عطشِ الُحقولِ أرى يديها تكسرانِ الطَّوق عن عُنقِ القصيدةِ كي أُمَّلكَ حصَّتي من كُحلها المجهولِ للأزهار ِ أو أُعطي الخريفَ نَصيبهُ من حزنِ عينيها وأعطي ما تبقَّى ما ظلامِ الليل حصتهُ الأخيرةَ من سوادِ خِصالها وأضيع في تفكيكِ شيفرةِ لغزها المأهولِ بالأطياف ْ لا شيء يمنعُ في الصَّباحِ الغضِّ قامتها النحيلةَ أن تطالَ الشمسَ أو أن تستعيضَ بشرنقاتِ حريرها ما لم يؤسس بعدُ دود القزِّ أو أن تستعينَ بورد خدَّيها على نحلِ البراري كي يهيءِّ من قفيرِ كرومها عسلَ الغواية أو يشيِّد في الصباحِ ممالكًا بقميصها الشفافْ في أيِّ توقيتٍ تُقلِّد بتلةُ الأزهار لكْنتها وكمْ فصلاً سيلزمني لأقنعَ ما تبقَّى من ورودِ حديقتي أنْ لا تعيرَ عطورها بالاً ولكنِّي وقد أقنعتها انساقت لفطرتها وراحتْ بعدها تستافُ من درَّاق خديها شذى أبهى كما يستافُ قعر النهرِ أحزانَ الضفافْ وكأنَّها المعنى الحقيقيُّ الأخيرُ لما تجسَّدَ من زوالِ أُلوهةِ الأُنثى وتمكينِ المجازِ لكي يصيرَ مُجسَّدًا في هيئةِ امرأةٍ وعشتارُ الخصوبةِ والتقاءُ الله بالإنسانِ أو وجهُ الخلافْ هي شهرزادُ الحُلم تنحرُ شهرياراتٍ بنصلِ جمالها كيما يناموا في حكاياها فتفلت مرة ًأُخرى كسائرِ ليلها من قبضةِ السَّيافْ محرر الموقع http://abwab.eu/

أكمل القراءة »

قبل أن أصير جُندبًا.. الضّباب من بدأ الحِكاية

   أحمد مارديني | حقوقي سوري.   تقديم..   لم تنتهِ الخطوط بعد الخطوط التي لم تحدث إلى الآن..     الفكرة التي تم التقاطها على مُكبرات الصّمت لم تكن فكرتي، بل حُلمي.   عندما كنتُ حيًّا، دائمًا ما حلُمت بالموت، ولكنّي دون أن أدري سقطتُّ في فِخاخ الموت حتّى صرتُ أحلم بالحياة..   الذّكريات تبني مجدها بالتّفاصيل، وتصيرُ مجدًا حين تُنسى، تُذكر شفيفةً كشراع الحُلم، هذيانًا بشيءٍ لم يحدث نتمنّى حدوثه.. ليصير ذكرى، ومجدًا حين يُنسى من جديد.   رغم أنّي فهمت أن لا منفعة للبكاء، لكن جاذبية الدُّموع تدفعني للحُلم بالحياة وحدهم الأحياء من يتقنون الحزن وحدهم.. من يفهمون البُكاء عرفت أن لا فائدة من الحزنِ، ولا حكمة في الفرح.. بل كلُّ ما في الرّسالة ألّا تبقى وحيدًا.     أربعة خطوط تبدأ من مونستراكي*   -1- أمس: موسيقا الفلامينغو هي الدّرب الوحيد الذي يأخذني إلى “الأكروبولي”، حيث ضِعتُ هناك للمرّة الأولى.. وأنا طفلٌ في الثلاثين كانت خيوط الشّمس تمشّط أخر الصّيف على جسد القلاع. تتوّعد الّليل، بهزيعٍ طويلٍ من الآلام ومن سوء حظّي أنّني كنت وحيدًا لأفهم المشهد، مُرغمًا وأسقط في فخاخ البرد عاريًا للمرّة الأولى دون وجه.. ولا أمٍّ، أو سحابة…   كان الحُبُّ في ذلك الوقت مُختصرًا بوجهين وعريشةً من زهر العراتلي الدمشقيّة “ككل ما حملتُ معي من ذاكرة” والصباحَ أغنيةً.. والنهار مسارحَ للمطرِ والشّمسِ وكلّ الصّديقات السّحاب. ولم أشعر يومًا بالحنين بعد أن أرضعتني الأمُّ من ثدي الغيوم صار الغيم أمًّا ثانية.   -2- خطُّ التّماس ما قبل أثينا كان الحزنُ خاليًا من جوهره وكانت قمّة المأساة تُختصر بعشر دقائق تأخير عن موعد القُبلة الأولى مع شفاه فتاةٍ أرغمتها على حبّي وأرغمتني على تذكُّرها.. دائمًا. كشطبٍ في الذاكرة.     ما بعد أثينا أظهر لي الحزن نابيه وصورته المخيفة وسنينه  الـ لا تعرف الموت قرأتُ تاريخ البكاء في عينيه وتذكرتُ كلّ صور المجزرة.     .. على الدرب.. بلغراد، ڤيينّا، ڤايمر الثلج يرسم ملامح الأشياء.. ...

أكمل القراءة »

شعب الـ “يعلي”

فرح يوسف.   يزدحم حائط الفيسبوك لدي اليوم بمنشور شاركه العديد من أصدقائي وصديقاتي، يتحدّث هذا المنشور عن الرومانسية المفرطة في تعبير “tu me manques” الفرنسيّ، والذي يعبّر عن الاشتياق، ما أبهر المشاركين هو الترجمة الحرفية للتعبير وهي “أنت تنقصني”، ولا أعرف في الحقيقة ما السرّ في انبهارنا بكلّ ما هو أجنبي، باعتقادي مصيبتنا هي الاعتياد، لفرط ما استخدمنا تعبيراتنا لم نعد نسمعها، لم نعد ندرك عمق دلالات غزلنا. عن نفسي يربطني باللغة العربية ما يجعل الاستقرار في أوروبا كابوسًا حقيقيًا، لديّ استعداد للتضحية بالكثير على حساب السير في شوارع تحمل لافتات مخططة بحروف عربية، وتنفذ إلى سمعي من سياراتها ومتاجرها أغان عربية، وإن كانت هابطة ولا يمكن إدراجها إلا تحت بند التلوّث السمعي. لمن هم مثلي تبدو كلمة “I love you” “مايعة” ولا يمكن استخدامها إلّا كتحية في نهاية محادثة، تمامًا ككلمة سلام مثلاً، ولا تغريني الـ je t’aime beaucoup دون أن يتبعها “ضّلك طلّ عليي”، ولم أتيقّن من غنى لغتي قبل حرماني التعبير بها، أسكن الآن فرنسا، بلاد الـ”أنت تنقصني” هذه، فلماذا لا تكفيني لغتها؟ واقفة أنا الآن أمام معلمتي وهي تعتذر عن الدرس القادم لأنها ستجري عملاً جراحيًا، أسكت تمامًا فاللغة التي تفهمها خالية من “يعلي ما على قلبك شر”، هذه الـ “يعلي” مكوّن رئيس في لغتنا، كانت الويل لي أو ربّما ويلاه، فليحلّ عليّ العذاب أو تعبيرًا للندب، خففناها فصارت “ولي علي” ثمّ أصبحت هذه الكلمة العظيمة، “يعلي”، فليقع عليّ العذاب لا قدرة لي على الراحة في عذابك، هل تعادلها إذًا dommage؟ وللعذاب هنا أشكال كثيرة، البرد الخفيف عذاب لدى أمهاتنا، “يعلي بردان؟”، الصداع عذاب لدى عاشقاتنا، “يعلي راسك عميوجعك؟”، الرسوب في مقررٍ عذاب لدى زملائنا، “يعلي رسبت المادة؟”، إننا دائمًا على قيد رغبة بافتداء عذابات من نحبّ، حتى إن لم ندرك أننا كذلك. وفي هذا يبدو تناقضنا وأنانيتنا المفرطة، تأخذ محبتنا شكل التضحية، شكلها فقط، كيف ذلك؟ هؤلاء الذين نخاف عليهم البرد والجوع وشكّة الإبرة ...

أكمل القراءة »

إيراد مشهدي

عبد الرحمن القلق هنا فوق رصيفٍ تغوص أطرافه في أفواه العتمة، عند مدخلِ حيٍّ فارغٍ في مقاطعة نهر الرّاين يحسّ الإنسانُ بكل شيء حينما يمشي الليلَ وحده. يحسّ بعمود الإنارة الوحيد وبالرصيف المكسور بعنايةٍ ودقّة، وبالزجاج المجروح، وبرائحة البيرة التي تترعُ مسامَ الإسفلت تحته، فيبدو جليًا أن حساسية الإنسان هي من يطغى على المكان هنا. أمّا في دمشق فنادرًا ما تفرُغُ الشوارع إلا من فقرائها وقاطنيها، وحتى إن فرُغتْ، لا يمشي الوحيدُ وحيدًا تمامًا! بل يسيرُ بمحاذاته ظلٌّ آخر يتخلّق عن المكان ويتعدّى ظلّ الماشي حتى يتراءى له أن لهذه المدينة كيانٌ يطغى على كلّ شيءٍ دونه. قد يظنّ البعض أنني أبالغ الآن حدّ الشوفونيّة. لكن كيان المدينة هذا لم يكن يومًا تخيّلاً ميثولوجيًا! بل كان دائمًا جسدًا وجوديًا لامرأةٍ تعايننا من عليائها بينما نُتلف نحن بدورنا كل فساتينها التي ارتدتها على مرّ العصور ومنذ بدء الخليقة. منذ رأس بلاد آرام وجلّق وجيرون وعين الشّرق وحاضرة الرّوم وذات العماد وفسطاط مسلميها وباب كعبتهم والفحياء والعذراء. منذهم جميعًا وهي جسدٌ ملموسٌ يوازي حياة المدينة ويتقاطع مكانيًّا مع خطوات أناسها، مزلزلاً فروق الزمان، فتراهم يمشون باضطرابٍ دائمٍ دون أن يجدوا سببًا لذلك؛ إلا أن يُرجِعوهُ إلى منطلقاتٍ تاريخيّةٍ ودينيةٍ، بينما يخوضهُ الأدباءُ والفنّانون من ناحيةٍ قد يأخذ بُعدُها حسًا شاعريًا عاليًا اتّجاه الأماكن ومشهدًا سُرياليًا بذخًا. (هنا أتساءل): ما هو منوال العلاقة بين الروح التّاريخية لهذه المدينة وبين أبنائها؟ وكيف تقلبُ موازين العالم الماديّ القائم على بسيطتها، واضعةً مصيرَ كلٍّ منهما في بوتقةٍ واحدة؟ أعترف أنني لم أتهيّأ بعد لهذا السؤال. بل لم أكن أظنّ أنني قادرٌ حتى على صياغته بما ينصف فكرته. ولولا وسواسه الذي راودني منذ اغترابي الأول عنها، لما طرحته هنا الآن، وذلك تجنّبًا لالتقاطه كمشهدٍ تراجيديّ عوضًا عن تبيانه وتأويله. ليس لي ههنا إلا أن أتحدّث عن علاقتي بهذه المدينة وقد دخلت عامي العشرين هذه الليلة بعيدًا عنها، إذ كنتُ تركتها في الثامنة عشرَ متخيّلاً نفسي عشيقًا لثلاث ...

أكمل القراءة »

شُرفات العويل

مرح مجارسة | شاعرة من سوريا.   جثمانُكَ المَحمولُ على أكتافِ أيّارَ في مَسيرِ الوُجوهِ المُفتَّتةِ ساعاتِ الظهيرةِ أعرتُهُ حبلاً من حبالي الصَّوتيّة ليربطَ بِهِ حذاءَ الجنازةِ، والنَّدّاباتُ كُنَّ بالعباءاتِ السّودِ يَعبرنَ حوافَّ المدينةِ بخطىً ضيِّقةٍ ويَكوِينَ جراحَ بطونهنَّ بالأسيدِ قالتِ الثكلى: “جاءَني وطلَبَ المغفرة قرأتُ عليهِ البسملةَ ونفختُهُ لمَصيرهِ”.   … لكَ أن تمدَحَ الشوكَ في مَنشورٍ سرِّيٍّ أن تغشَّ الميزانَ بدمٍ أكثرَ وتجلسَ مع ميتتكَ الهزليةِ وبقايا اللَّحمِ على الخُوَذِ لتُحاوِرَ الوجوهَ التائهةَ حولَ طاولةٍ يختبئُ تحتها الوطنُ؛ ولي وطني… أخبِّئُهُ في كتابي كوردةٍ يابسة… قدَّمَها لي حبيبٌ سابقٌ   هذا الولدُ النبيُّ الصغيرُ يلعبُ بالدَّحلِ على قارعةِ الحربِ يُضرِمُ كفَّهُ في جيبهِ بحثًا عن حارتِهِ وأصدقائِهِ وسريرِهِ لا شيءَ يلمَعُ في المَدى الذي ثقبَهُ الرصاصُ إلا ضوء الكارثة فكلُّ الاشياءِ في الحربِ خُردةٌ الشعراءُ شحاذو الأزرقِ يصرخونَ يهربونَ يكتبونَ يكتتبونَ يحرقونَ خيوطَ الكلماتِ في حَلْقِ الكتبِ السَّميكةِ ويطفئونَ سجائرَهُم في مِنفضةِ العبثِ   … لكَ أن تغمسَ خيبتكَ بالطَّحينِ، وتراوغَ شِرشَ الهواء في غلاصمِ السَّمك؛ ولي منديلي.. أقفُ خلفَ الحائطِ الباردِ لذاكرةِ الرَّملِ.. وألوٍّحُ بهِ… لكَ أن تفضَّ نفسكَ وحيدًا على أريكةِ تحومُ فوقها طيورُ العدمِ وتحرسَ العشبَ الذي ينمو ببطءٍ على فوَّهة المدفعية؛ ولي أن أعيدَ تقطيبَ أزرارِ الشّبقِ لسريرٍ لستَ فيه.     لنحزنَ أقلَّ إذن لم يعُدْ هناكَ ما نخشاهُ في الحربِ أُصلِّي لأنفِي دمي إلى مدينةٍ أكثَرَ كُفرًا أقضمُ تفاحيَ الأسودَ وألعَنُ شرنقةَ البدء، والخللَ في التَّهجينِ بينَ أصابعِ الله وأصابعِ الجريمة.   … لكَ أن تنتعلَ الريحَ حذاءً تدوسُ به الوقتَ الإضافيَّ لخسوفِ التَّوابيتِ فوقَ الضلوعِ الهزيلةِ وأن تتبادلَ مع جيرانكَ الأواني المكسورة كما تتبادل هدايا عيدِ الميلاد وعناوينَ الأخبار؛ ولي أن أتبعكَ كعقربِ ساعتكَ وأدقَّ منتصفَ كُلِّ معركةٍ… فيستريحُ الموتُ قليلاً   الحربُ أرملةُ الحبِ أنثاهُ بشَعرٍ مُجعَّدٍ وساقين نحيلتين وكفٍّ تكتبُ وتلطمُ. النَّرْدُ الذي رماهُ الغيب… مَسمومٌ أوَّلُ النطقِ عطشٌ، والطريقُ إلى ثديِ أمي لهاثٌ كثير وهذهِ الشهوةُ بردٌ ونومٌ ...

أكمل القراءة »

ولادةُ الأبَدِ

د. مازن أكثم سليمان | شاعر وناقد سوري.   (1) لمَعرفة عبقريّة حَدَثٍ ما فتِّشوا في سِلالِ المُهملات.   (2) ولادةُ الأبَدِ الجديدِ اختلافٌ حيويٌّ يُفتِّتُ الأبَدَ التَّقليديَّ القديمَ من داخلِهِ بما هوَ وعيٌ جوهرانيٌّ توهَّمَ طويلاً الاستقرارَ الزّائِفَ.   (3) سأقتنصُ هذِهِ الفرصةَ الاستثنائيّةَ.. هذِهِ الحركيّةَ المُغايرةَ بوصفِها طريقةَ تشكُّلٍ يغزوها التّيهُ والضَّلالُ الحَميدُ.   (4) … هيَ لحظةٌ لتجميعِ خردةِ التّاريخِ، وصَهرِها كي نُعيدَ تدويرَ نفاياتِ المَصالِحِ؛ فلا مكانَ الآنَ للفَهْمِ المُغلَقِ كعُلبةِ مكياجٍ مَغشوشٍ في حقيبةِ سَفَرٍ ارتمَتْ في الفَجوةِ الذّهبيّةِ المُتباعدةِ -نحوَ-……………………………………………………………………………………..   (5) لم أطلِقِ النّارَ على الدّيكتاتور درْتُ حولَ الأغنيةِ دورتيْنِ فانطفأَ الصَّمتُ اللّاذِعُ، واندلَعَ الفراغُ المَجهولُ كأنَّ الماءَ المُنسكِبَ في جدوَلِ المَعنى مُخيِّلَةُ دمعةٍ هائِمةٍ بالجُموع.   (6) الرَّجُلُ البخَّاخُ رسَمَ على زندِ الغُيومِ أحلامَهُ المارِقةَ، ثُمَّ تخفَّى. حمَّلَ من إحدى الحاراتِ اعتصامًا على اليوتيوبِ، وشارَكَ في مُظاهَرَةٍ طيّارةٍ. قبَضوا عليهِ مُحتفيًا بأبدِهِ البديلِ، فردَّدَ وهوَ في قبوِ التَّعذيبِ: لاشيءَ يُعيدُني إلى القفصِ المُهادِنِ، ونقَشَ بذؤاباتِ أنفاسِهِ على ذرّاتِ الأوكسجينِ المُتناقِصةِ: “ماتَ الأبَدُ / وَلِدَ الأبَدُ”.   (7) الأبَدُ الجديدُ كُلِّيَّةُ تحوُّلٍ تتعيَّنُ مثلاً في بِرَكِ مياهِ (دُوّاراتِ) دمشقَ التي لوَّنَها النّاشطونَ بالصِّباغِ الأحمَرِ ذاتَ صباحٍ ضِدَّ أبَدِ اللَّونِ الأحمَرِ الحقيقيّ المُطابِقِ لِمَجازيّة صخرةٍ ما تزالُ تُحاوِلُ أنْ تسحَقَ صُراخًا أينَعَ في المَدى…   (8) أودُّ أنْ أُوَثِّقَ المُناخَ الحُرَّ بلا مِظَلَّةٍ مُسَبَّقَةِ الصُّنْعِ؛ فالمطَرُ لا يُذعِنُ لخِدْمَةِ عَلَمِ الأبَدِ المُهترئ، والقُبَلُ المُتكاثِرَةُ في الشَّوارِعِ للتَّوِّ ليسَتْ مركزيَّةً مهما بدا التَّغييرُ شائِكًا وعسيرًا.   (9) التَّحوُّلاتُ الكُبرى أقدارٌ بيضويّة لا تخذلُ الكينونةَ، والاغترابُ المَوروثُ مرَضُ الذينَ لا يُثمِّنونَ هشاشةَ الوجودِ الجَميلِ الآسِر.   (10) الفلسفةُ ليسَتْ نقيضًا للسِّياسةِ إذا حرَّرْنا الدَّلالةَ من قياسِ أبَدٍ يخرجُ إلى العلَنِ على أبَدٍ يذوي في مِدْجَنَةٍ؛ فحُضورُ الفزّاعاتِ الباليةِ لا يسلبُ العصافيرَ أجنحتَها العابِرةَ لكُلِّ غِيابٍ مهما كانَ حجْمُ التَّوجُّسِ كبيرًا.   (11) قالوا: استُشهِدَ مَنِ استُشهِدَ، واعتُقِلَ مَنْ اعتُقِلَ، ونزَحَ مَنْ نزَحَ، ولجَأَ مَنْ لجَأَ، وغرِقَ ...

أكمل القراءة »

قراءة في كتاب لم أقرأه بعد!

 نيرمينة الرفاعي | روائية أردنية أريد هذه المرّة أن أقدم لكم قراءتي في كتابٍ لم اقرأه بعد! نعم! ما الغريب في الأمر؟ الأيام تمرُّ بسرعة والوقتُ ضيق ورئيسُ التحرير ينسى أنني أنسى التواريخ ويفترض أنني أمشي على الرزنامة بدقة كطفلة تلعب “الحجلة” وتقفز بقدم واحدة على المربعات أمامها، وبصراحة أكثر، فأنا أعتقدُ أنَّ كتابة قراءة عن كتابٍ لم تقرأه هو أمرٌ يتطلب شيئًا من الذكاء وشيئًا أكثر من مهارت الإقناع، وأنا سأحاول هذا الشهر أن أكون “ذكية” بما يكفي لأقنعكم أنني أستطيع نقل مشاهد الحرب في ربع صفحة، وسأحاول أن أنقل لكم “الحكاية” بخطوطها العريضة، لا لشيء، ولكن كي لا أوقظ فيكم وجع المسيح الجريح على صورة غلاف الكتاب وهو مسجى بين يديّ مريم المباركة بين النساء، المباركة ثمرة بطنها، حتى لو كانت ثمرة البطن تلك إلها نازفًا بين يديها. بدأت بعدم قراءة الإهداء طبعًا كما قد تتوقعون، رؤى الإبراهيمي تستخدم مصطلح “رائحة الياسمين” في الإهداء، أتصدقون؟ وهذا سبب كافٍ كي أقفز عنه! ولا أعرف ما قدرة ذاكرتي الشفافة على أن تتستر على العطر الذي فاح في ثناياها، الياسمين سبب آخر للوجع، وسبب آخر للتجاوز! تبدأ رؤى قصصها بـ”الجندي في إجازة”،  يخطر لي في تلك اللحظة لو يذهب الجنود جميعًا في إجازات ويتركون الحرب وحدها، بعد صفحات قليلة تقول الكاتبة على لسان الجندي: “كنت أتمنى أن نترك أمكنتنا فارغة، ونعود إلى بيوتنا بلا أسلحة، كيف ستستمر المعارك إذن”؟، أرأيتَ يا عزيزي القارئ؟ الكاتبة تقرأ ما في عقلك تمامًا، أترغبُ في قراءة عقلك بهذا الوضوح والانكشاف؟ هل أنتَ جريء إلى هذا الحدّ؟ عن الحرب التي عاد جنودها من إجازاتهم تحكي رؤى، وعن الذين غادروها “جثثًا منفخة لا تسعها توابيت عادية”، تقف بحكايتها في البرزخ بين الحياة والموت، والحزن الشفيف يغلف روحها وهي تمّر على الحواجز بين البنادق، وستحكي لك عن المقاتلين الذين ينكؤون جروحهم بأظافرهم الطويلة وهم يحاولون تمييز وجوه ضحاياهم، أتريدُ ان تقرأ كلَّ هذا؟ ستعرف أيضًا الرجاء والهلع الذي ...

أكمل القراءة »

مورا في مدريد: سيرة ذاتية-جمعية

رامي العاشق | شاعر، رئيس تحرير صحيفة أبواب.   “هل أخطأ الثوار في تلك الأيام في حمل السلاح؟!، هل كانت ثورتهم خارج الزمـان والمكـان؟!”   لم يكن سهلاً قرارُ الشروع بقراءة كتاب من هذا النوع، شهادة قادمة من “الآخر الذي ينتمي إلينا” المختلف تمامًا، الآخر النقيض في أكثر الأحيان، الآخر الذي لم نعرف عنه سوى القليل ممّا رووا عنه، لكنّنا لم نعرفه، وهنا لا أتحدّث عن الإسلام أو المسلمين، فأنا تربّيت في المساجد، أنا أتحدث عن الإسلاميين الذين شهدوا، أو شاركوا، في أحداث الثمانينات، أو الذين خرجوا من سوريا في ذلك الوقت، وأزعم أن نظرتي إليهم لم تتغيّر بعد هذا الكتاب، لأنه بالأساس لا يهدف إلى ذلك، ولكنّ قراءته كانت أقربَ إلى التحدّي بيني وبين نفسي لاختبار قدرتي على الإنصاف لرواية الآخر، وموقفه الذاتيّ الشخصي من التأريخ وقراءته وفقًا لأرضيّته وسقفه المعرفيّين، بالإضافة إلى ضخامة العمل المراد قراءته، وأنا أعترف بأنني لست من هواة الكتب كبيرة الحجم.     رواية توثيقية أم وثيقة روائية؟ قبل أن نبدأ بالحديث عن كتاب مورا في مدريد، نوال السباعي 2016 الصادر مؤخرًا عن دار الورّاق، الرياض (532) صفحة من القطع المتوسط، يجب علينا التعرف إلى واحد من أهم مفاتيحه، الموجود في داخله، والذي يأتي لاحقًا ليشرح العنوان: مورا، صيغة المؤنث من مورو، والجمع موروس، وهو مصطلح عنصري بالعامية الإسبانية يستعمل بغرض الانتقاص، ويشير إلى القادمين من البلاد العربية والإسلامية، ويعني في أحد معانيه أصحاب البشرة الداكنة. يشكّل الكتاب وثيقةً مرويّةً أدبيًا، مهمّةً، وكانت نادرة طوال عقود، إذ أنه أتى بالدرجة الأولى من كاتبة إسلاميّة، ذهبت إلى الأدب عوضًا عن ما هو سائد من الإسلاميات: “هل هناك بالنسبة لشابة متدينة ملتزمة في العشرين من عمرها، ما يمكن أن يُكتَبْ في غير أحكام الماء الطهور والحيض والنفاس وواجب المرأة في طاعة زوجها؟” بالدرجة الثانية، تأتي أهمية هذه الوثيقة في كونها قادمة من كاتبة امرأة، اشتغلت على التأريخ في هذه الرواية، لمدّة ستٍ وعشرين سنة، من زاوية ...

أكمل القراءة »

أوطان مهاجرة

إيهاب يازجي   أثناء تسكعي في حارات وأزقة المواقع الإخبارية، ومروري بين الفينة والأخرى على أرصفة الصفحات الشخصية لأصدقائي ضمن مواقع التواصل الاجتماعي، استوقفتني بشدة صورة شاركتها إحدى الصديقات ضمن صفحتها على موقع “فيسبوك”، تمعنت في هذه الصورة مطولاً، كم هي مؤلمة وقاسية وبلا شفقة، هي صورة لحقائب الظهر الخاصة بالمهاجرين الذين لقوا حتفهم أثناء رحلة اللجوء، تم تجميع هذه الحقائب في معرض لمدينة “بارسونز” في الولايات المتحدة الأمريكية… تساءلت صديقتي مُعلقةً؟ تراهم ماذا وضعوا في حقائبهم، ذكرياتهم وماضيهم، أم أحلامهم ومستقبلهم؟ أجبتُها: بل وضعوا فيها أوطانهم ورحلوا، واستودعوها أمانة لدى من عبروا. ضاقت بهم أوطانهم فلم تعد تتسع لكلماتهم وأصواتهم وأحلامهم، أوطانهم التي رفضت أن تُشاركهم خيراتها وأرزاقها وميراثها، التي أخفت عنهم أوجاعها وأحزانها، تكابرت عليهم فـوارت عنهم ما لهم وما لها، وتجاهلت همومهم وآلامهم… ضاقت بهم نوافذ الوطن، فحملوا أوطانهم على ظهورهم ومضوا ليبحثوا لها عن أرض وسماء وميعاد، هناك بعيدًا فيما وراء البحار والشطآن، هناك حيث تُبنى الأوطان بمحبة أبنائها. وضعوا أوطانهم في حقائبهم وحملوها على ظهورهم، لأن الأوطان لا تُهجر ولا تُستبدل، بل تُحضن وتُحمل على الأكتاف كما يحملُ الأب طفله المدلل وينهض به ليعانق السماء، هم أبحروا ولم يعبروا، وعبرت فقط أوطانهم،  ثم سارت لتقطع السهول والجبال والوديان وتصل بلاد الأحلام… هناك صارت أوطاننا المفجوعة صورة ومعرض، هناك الفضاء مفتوح وممدود لأبنائه، والنوافذ والأبواب لا تغلق، والستائر لا تُسدل، أما في وطني، فحدث ولا حرج، تلبس الأمهات في أعيادهن الوشاح الأسود، وطني بات أي شيء إلا الوطن، وبات لكل من شاء إلا لأبنائه، وطني مات فيه الوطن! وطني ليس ساحة نِزال وصراع، ولا طاولة قمار، وليس مُلكًا لمرتزقةً وزعران، ولا لسماسرة المذاهب والأديان ولا مكان فيه لا لتفسير ولا تأويل، وطني ليس ملهى للساسة ولا مكب نفايات السياس، وطني ليس بازاراً للبيع والشراء، لا باسم الأرض ولا باسم رب السماوات. وطني، سأبقيه في حقيبتي، أحمله معي أينما ارتحلت واتجهت، لنبقى معًا، ونتقاسم معًا الزمان والمكان، ...

أكمل القراءة »