الرئيسية » باب أرابيسك

باب أرابيسك

من مُفكِّرتي لـ”هرمان هسّه”

ترجمة أسامة منزلجي – ليلة أمس راودتني أحلامٌ كثيرة لم أتذكّر أياً منها بوضوح. كل ما أنا متيقّن منه هو أنَّ سياق تلك الأحلام والإحساس بها جرى في اتجاهَين: بعضها يتعلّق حصراً بكل أنواع الحزن الذي حلَّ بي – والبعض الآخر بالاشتياق والكفاح للتغلُّب على هذا الحزن عبر الفهم التامّ، وعبر القداسة. وهكذا بين المعاناة والتأمُّل، بين اليأس وأعمق الجهود، تلاطمت أفكاري ورغباتي، وأوهامي طوال ساعات على جدرانٍ ضيّقة، إلى درجة الإرهاق المُعذِّب، وأحياناً كانت تتحول إلى مشاعر جسديّة شبه مُبهمة: حالات مُحدَّدة بدقّة، ومميَّزة بوضوح تام من الحزن، والبؤس وضيق القلب، مُتمثّلةً بجلاء على هيئة صور وأنغام متناسقة، وفي الوقت نفسه من منطقة أخرى من الروح برزت دوافع تتّصف بحيويّة روحيّة أعظم. إنها تحذيرات بوجوب التحلّي بالصبر، وبالكفاح وبالتزام الطريق الذي لا نهاية له. كان كل نشيج يُقابله خطوة شجاعة إلى الأمام وإحساس بالعذاب على مستوى تُجيبه على مستوى آخر نصيحة، حافز، إدراكٌ للذات. إن كان هناك أي معنى في التركيز على مثل تلك التجارب، التي تميل بانتباه فوق الأعماق والأهوية السحيقة التي يحملها المرء داخله، فهذا المعنى لا يتكشّف إلا إذا حاولنا أنْ نتبع دوافع أرواحنا بأشدّ إخلاص ودقّة ممكنين – إلى أبعد وأعمق مما يمكن للكلمات أنْ تبلغه. إنَّ كل مَنْ يحاول يُسجّل هذا يفعل ذلك بالشعور نفسه الذي ينتابه لدى محاولته مناقشة شؤون شخصيّة صعبة ودقيقة بلغة أجنبيّة لا يعرف منها إلا أقلّ القليل. وهكذا كانت حالة تجربتي وامتدادها على الشكل التالي: من ناحية كانت تحمُّل حزن هائل، ومن ناحية أخرى كفاحاً واعياً للسيطرة على هذا الحزن، من أجل تحقيق تناغمٍ كامل مع القدر. كان ذلك تقريباً الحُكم الذي أصدره وعيي، أو بالأحرى الصوت الأول المسموع داخل وعيي. هناك صوت آخر، أضعف، لكنه أعمق ورنّان أكثر، يُعبِّر عن الأمر بشكل مختلف. هذا الصوت (الذي سمعته بوضوح كالصوت الأول لكنه أبعد داخل نومي وحلمي) لم يصف المعاناة بأنها خاطئة وصراعي العقلي الحيويّ من أجل تحقيق الكمان بأنه صائب، ...

أكمل القراءة »

مرايا الجنرال، رواية عن اللوثة القابعة في الأعماق البشرية

أميرة الحلبي- عند قراءة مرايا الجنرال للكاتب المغربي طارق بكاري عن دار الآداب 2017، تسمع أصواتاً عديدة لشخصيات تتبادل الرسائل في مابينها، لكن سرعان مايستدعي انتباهك صوته -صوت الجنرال- صوتٌ قوي قادمٌ من العدم كما يقول. فلا ذاكرة لديه ولا عائلة، كل ماهناك لحظة ركوبه السفينة الحربية المتجهة من مرسليا إلى المغرب العربي (إلى ليكسوس) ليستلم منصبه الجديد، جنرال المدينة . قاسم جلال الذي ادفأت قلبه البارد رؤية جواهر حين لوحت بشالها لحبيبها (سيمون) معلنةً عن وصول رحلتها إلى ميناء الدار البيضاء بعد غياب قسري دام عامان . جنرالنا هذا يسرد قصته بالرجوع بالزمن أكثر من عشرين عام بناءًا على رغبة معالجته النفسية، شاكياً من فصام حاد بالشخصية وهاوية عميقة بالذاكرة فيقول (كنت فاقداً لكل شئ، أحمل بين جدران جمجمتي ذاكرة بتولاً تتصل بحاضرها فقط، لا أذكر أنني كنت صبياً أو كان لي أهل أو أقرباء)، يتماهى قاسم مع جنرالات عالمنا العربي الذين ينتمون إلى زمن الحرب فقط، فلا تاريخ يردع ولا عمق حضاري ينقذ البلاد من آلة الدمار والحرب. يقول الجنرال الغازي (جئت أتأبط مشاريع صديد ودم، لا أدري متى ولا كيف كتبت في الذهن، مشاريع دموية، لم أملك بعد أن استمسكت بأزمة المدينة سوى الانصياع لها). روايةٌ ترصد قدرة الجنرال اللامحدودة على تحطيم الإنسان والأرض وتوسيع أقبية السجون، انهيار قيمة الإنسان وسهولة قمعها، سقوط حصانة حرية الإنسان أمام زوبعة الجنرال. تقع أحداث الرواية في فضاء مدينة ليكسوس ليصل مداها إلى مدننا العربية، لشخوص دون الجنرال تحاكي البحث عن حياة أفضل بالنضال السلمي والمظاهرات لتواجَه بأقصى عدة وعتاد. ليأتينا من هناك الفتى سيمون الشاب اليهودي الماركسي الهوى والهوية، الذي أنهكت روحه أقبية السجون وأزلام النظام، هذا الشاب الذي يعبر عن انهيار اليسار في سبعينيات القرن وانتكاسة جيل مشبع بأحلام التغير دون الاعتماد على القوة والتسلح في مواجهة الجنرال. ترصد الرواية العلاقة الجدلية القائمة على العنف بين المثقف والسياسي وبين الجنرال، العلاقة القائمة على الغيرة الضمنية من الثائر ، صاحب الارض، فيعبر المؤلف بلسان الجنرال قائلاً (كان سيمون قبل أن يتبدد كرذاذ النور في سماء تلك المدينة، رجلاً حقيقياً لا أملك إلا أن أحسده، كان مؤمناً قوياً بما ...

أكمل القراءة »

حين يرنّ الهواء حولك من القسوة

شعر الخضر شودار   في هذا العالم هاجرتُ من مدنٍ لم أزرها أبداً من قبل لا زالت مذاقاتها في فمي و شمسها في ثيابي قرأتُ هناك كتباً بلا مؤلفين و فشلتُ مرّاتٍ في الحب مع نساءٍ لم أصادفهنّ في حياتي و لأنني دائماً على حق و بسبب من حماقاتي قتلت شخصاً أو شخصين لم يولدا بعد نمتُ عميقاً ليلتها كنت أمشي عارياً تماماً أمام نفسي و لا أخجل و الآن أنا أعيش في مدنٍ تعرفني قابلتُ مراراً حكماء ومؤلفين لم أفشل أبداً في الحب و لم أقتل أحداً و مع ذلك حين أمشي بكل أناقتي أمام الآخرين أتعثر في هذا العالم و أخجلُ…   حين يرنّ الهواء حولك من القسوة (رسالة إلى فرناندو بيسوا) عزيزي فرناندو … لم نلتق أبداً من قبل ربما مرّةً واحدة بالصدفة بعد رحيلك بأعوام كنتُ أنا في العاشرة و أنت في نهايات السّبعين عرفتك من قبعتك و نظارات المونوكل لكني تأكدت أكثر من تلك الرجفة الشعرية في أهدابك أنا من مدينة قصية لا تذكرها كتب التاريخ يقال لها في لغتي ” أغيلاس” لبؤة نائمة بين جبلين في سرير الوادي كانت أصابعي تنبض على جسد التين و النحل البري يرعى على زهراتٍ في عباءة جدتي لم يسافر أحدٌ في بلدتنا أبعد من بلدتنا أطول رحلاتنا كانت بين الينابيع والأشجار و بيوتنا في الأحراش حباحب توصوص بلا كهرباء أعرف بأنك لا تحب أن يشبّهك أحد بالطبيعة و أنني مجرد عشب مهمل على العتبات هل ما زلت تحب شراب البراندي المنكّه بالتوت ولا تملّ من الجلوس و المناقشات عن الطالع والأفلاك لا تسألني أرجوك عن عاداتي السّيئة فأنا ما زلتُ أحب المطر وأشعر دائما بأني مبللٌ من الداخل أجل لم أعد بصحةٍ جيّدة منذ أن قتل حطابون أجلاف فرسي السوداء تخيّلْ ، أنت الرّهيف أن تموتَ في غابةٍ بضربة فأس و الهواءُ حولك يرنّ من القسوة لم يعد حينها المربع و المستطيل مستقيمين كما في المدرسة بل دائريان ...

أكمل القراءة »

عن بطاقة الحماية المؤقتة في تركيا

عبد الله حسن – أشعرُ بالغربة في ذاتي قبل كل شيء.. هكذا أحبّذ أن أبتدئ شهادتي الأولى هذه لدى جريدة «أبواب»، وبهذا العنوان الكلاسيكي الجميل؛ ولهذا أكتب ربما عموماً.. يسمّيها البعض «مقالاً» وآخرون يستخدمون كلمات من قبيل (خبر، تقرير، تحقيق، بحث) في إشارة إلى تصنيفات أخرى، وثمة من يستخدم «قصة» أو «رواية»، والبعض الآخر يختزل فيقول الـ «شعر»؛ على أية حال.. الجميع يَشهد على نفسه، وعلى العالم من حوله، وهكذا خُلقت الفنون والآداب في اليوم الذي تلى خلقنا مباشرةً، بعدَ الموسيقى والصمت، وقبل الضجة والصراخ بلحظات. في كتابه «الوجيز في تاريخ» الموت، يذكر دوغلاس ج. ديڤيس أن الإنسان حين أوجد الكتابة قبل آلاف الأعوام كانت بالنسبة له المحفظة التي خلّدت تراجيديا حياته .. وآليّة دفاعية وَقَتْه إلى حدٍ ما خوفهُ المتعاظم من خوض تجربة الفناء المادي. غودار في أحد أفلامه الجميلة يذكّر بأن هوميروس شاعرَ الإلياذة والأوديسة لم يكن له من الحرب شيء، كان أعمى، والجميع يعلم هذا.. إلا أنه كان لسانَ قومه، وتحدّث عما أرادوه؛ لهذا تبلغ الكتابة تأثيرها الأكبر ربما حين تَشهد على مافي داخلك أولاً، وتخبرك عن مقدار ما أنتَ عليه من صحة وعافية مقارنةً بالكاتب نفسه ثانياً… نزعة بشرية من قبيل ”أشكرُ الله أنني لم أتعرّض لمثل ما تعرض له فلان“ قبل التعاطف معه، خذ مثلاً أن الخبر الذي يتحدث عن مقتل مجموعة من الأشخاص دهساً في منطقة ما، يُفهم في سياق مشابه لـ: حدثَ وأن بقينا وإياكم على قيد الحياة يوم الاثنين إثر قيام أحدهم بعملية دهس في شارع كذا بالمنطقة الفلانية، وعليه ثمةَ متسعٌ كافٍ للحلم بما هو مُبهم وأفَضل بطبيعة الحال، انتهى. من ناحيتي، أجد أنه من الضرورة بمكان أن أستغلّ السبب الثاني على الرغم من عدم براعتي في ذلك. لدى دخولك تركيا براً محروماً من وثيقة جواز السفر لأسباب شتى على الأرجح أمنية يقال إنك محمي مؤقتاً، ويعني هذا أنك ستعود ريثما يصفّي الأقوياء حساباتهم داخل أرض بلادك، وعليهِ تُمنح وثيقةً مضافةً ...

أكمل القراءة »

الصندوق الأسود المفقود

عبود سعيد. قلت سابقاً: في المطارات أنا متهم حتى أثبت العكس. “وياحزركن أنا وين شفت مطارات بحياتي؟ أكيد مو مطار دمشق ولا مطار حلب الدولي أو مطار أبوظبي، هدول المطارات بس للأكابر”. نحن تشردنا وأصبحت مطارات أوربا كلها تحت تصرفنا، من فيينّا إلى أمستردام ومن برلين إلى ستوكهلم. حقنا الطبيعي، نمارسه طالما لدينا جواز سفر أزرق، مطارات من أفخم ما يكون، أناقة، نظام، خدمة خمس نجوم وأحياناً إنترنت ببلاش. الحياة جميلة وسهلة، لكنها تصبح أكثر بشاعة وتضيق عندما تصل إلى الكونترول ويمسك بيده جواز سفرك! يكفي أن يقوم الكونترول بتفحصك زيادة عن اللزوم ولو للحظات، أو بنظرة تدقيق، ولو بتقليب الصفحات عدة مرات مع صفنة خفيفة، لكي تتذكر أنك لست أهلاً للثقة ولا تشبه الآخرين، خاصةً إذا كان اسمك بهذه ” الوقاحة”: المحمد عبود سعيد! ناهيك عن سمار بشرتي الذي كانت أمي تتباهى به يوماً ما. كان مطار استنبول أول مطار أدخله، حينها قال لي صديقي لقمان ديركي: “شوف أخوي عبود! اليوم إنت رح تروح عالمطار، والمطار كبير، وانت يعني افهم واحد عالفيسبوك، وشيخ الكتاب، وأكبر معلم بالمنطقة الصناعية والحدادة، على عيني وراسي بس إنت بالمطار جحش! ما تشغل مخك ولا تروح هين وهين، تسأل وتستفسر منشان ما تضيع يا أخوي.” من استنبول إلى برلين، وذلك بدعوة لأقوم بقراءات تتعلق بكتابي المنشور في ألمانيا، فأنا الآن كاتب، وكان لا بد من إشارة توحي بذلك، فما كان عليّ سوى أن أقرر أن أطيل ذقني على الأقل، “مو هيك يعملوا الكتاب؟!” في برلين، كاتب وبذقن طويلة أقدم أوراقي للحصول على إقامة لجوء، شاءت الأقدار أن تكون الصورة التي التقطتها لتثبّت على جواز سفري في الوقت الذي كانت تنمو فيه ذقني الثقافية. صار عندي جواز سفر باسمي وذقني وبشرتي، من مطار إلى مطار تتغير المدن والأسباب والمطارات، لكن اسمي وذقني وبشرتي والكونترول واحد. فتلت أوروبا كلها تقريباً، بكل ما استطاع إليه جواز سفري الأزرق سبيلا، لكن لا مفر من أن تتذكر في كل مطار من أنت! إلا في البرازيل الأمر مختلف، فلقد تلقيت دعوة لحضور أحد المهرجانات بعد أن أصبح لي كتاب منشور هناك، وافقت على الفور، من يقول لا للبرازيل؟! والبرازيليون أغلبهم سمر وأسمر مني كمان، وليس لديهم فوبيا البشرة العربية الإسلامية، “ضايعة بين سمارهم”! وبعيدون جداً! ومعلوماتهم قليلة عن الأسماء العربية ...

أكمل القراءة »

لماذا يحمل هذا الرجل العالمَ على وجهه؟

نيرمينة الرفاعي | روائية أردنية من أسرة أبواب  “الزجاج محاولة الجدار لإفشاء السر”، يقول العاشق في الصفحة 24، وبنصوص زجاجية تفشي الفترة ما بين عامي 2014-2016 صدر عن بيت المواطن في بيروت في نهاية عام 2016 “مذ لم امت” للشاعر السوري الفلسطيني رامي العاشق، حاملاً الكتاب رقم 21 ضمن “سلسلة شهادات سورية”.  الكتاب يتضمن سبعة عشر نصًّا سبق لها أن نُشرت بشكل متفرق في الصحف والمواقع العربية، ويبدأ الكاتب مقدمة كتابه بالإشارة إلى أنّها “أشلاؤه” التي يطلب من قارئها ألّا يصنفها ضمن القوالب المعتادة، وقد يكون الحق معه، لأنَّه لا يتكلم في نصوصه عن “أمور اعتيادية”، فالثورة بالنسبة له “قيامة” لم تنته، والكتابة عنها “تحمل ندبات على عدد سكان المخيم”، من الطبيعي إذن أن تصنيف الندبات لن يكون بالأمر السهل.  وأمام الكتاب الذي سألتني ابنتي نورا عن غلافه فقالت: “لماذا يحمل هذا الرجل العالم على وجهه”؟ التزمتُ الصمت، ولم أستطع أن أجيب ابنة الست سنين لأقول لها إن النصوص مليئة بالوجوه فعلًا: “صار ابن الرب ربًّا، فلح وجوه الناس”، “هذه الملامح قد تكون لأحد أعرفه”، “بملامح فلاحات جنوب دمشق”، “سرقوا من وجه الوحش ملامح موتك”، “أبحث في الوجوه عن ملامح الذين أحبهم”، … وهكذا تستمر الوجوه في المرور عليك وأنت تقرأ الصفحة تلو الصفحة، ليتحول الكتاب من مونولوجات شخصية إلى عالم بأكمله يروي حكايات المرأة والطفل والمراهق وطالب المدرسة و”أبناء الخرابة والخراب”.  يحكي عن مخيم اليرموك، هو “ابن الخرابة التي نحب”، يطرح أسئلة اللجوء والغربة وهو يركض في الفراغ رافضًا “كل الجدران الإسمنتية وكل النوافذ المحصنة بحماية حديدية”، ويذهب “نحو بلاد لا يعرفها كي لا يهرب”!  النصوص التي توثق مشاهد من الهروب من دمشق والعبور بعمّان والوصول لكولونيا تشبه البيوت التي أوصى رامي العاشق بأن تهجرها وتصنع غيرها، تاركًا “في كل بيت ما يدل على شبقك”! وهكذا تجد نفسك تبني بيتًا من “الحجارة الأربعة التي ضلّت درب السقوط” في دمشق، وتقفز عبر أنابيب المجارير نحو الطرف الآخر من الشمس، وتبكي لبكاء امرأة كردية بلا ضفائر “تحمل ثأرها فوق صدرها معلَّقًا بسلسلة ذهبية”، وتكزّ على أضراسك وأنت تقتل في أحلامك كل من قتلوك دون أن يجرؤوا على الاعتراف بذلك، لتصل إلى جسر كولونيا بجثث أقفاله المصلوبة التي ...

أكمل القراءة »

رسائل لن تصل

ناهد العيسى   ونسيتُ أنِّي قبلَ هذا الزمن مأهولة كنت   تكتبُ لي دمشق من حارتي  حارتي التي نسيتُ أن يقع رأسها  وكأنّي خُلِقتُ دمارًا  تُكمل  وكأنِّي نسيًا منسيّا    أجيبُ: نعم مُرٌّ سُقيانا  ونسيتُ أنّي قبلَ هذا الوقتِ لم أكنْ يتيمة  والدَين كنتُ أملك وأكثر  لكنَّني نسيت  وكأنِّي وُلدتُ تحتَ جذعِ النخلة  أو سقطتُ من السّماء على اليابسة  وتركتني أمّي أجمع البلحَ وغابت  غابت كأنَّها لم تكن ..    كلُّ حقيقةٍ جميلةٍ لا تدوم  وأجملُ الحقائق أُمّي.. وأبعدها  اقرئي أمّي أو اسمعي ..  بيتي هُنا كبًير.. يتسعُ للجميع، لكنَّنا الجميع، ونحن لسنا هُنا  بيتي تلفُّهُ ألوانُ ما خَبِرنا.. أبيض وأسود ونحن بين هذين نتقلّب ..  لا غرفةَ أطفال.. أطفالي كَبِروا  لا غرفةَ والدين.. فأنا هُما.. كلاهُما  .أمّا هو فقد هرب.. ولم يملك من المَرجلة إلَا ثُلثَيها   ..    رقمُ منزلي 778  رقم هاتفي مفعمٌ بالعدد سبعة أيضًا ..فلعلَ الحظُّ يقرعُ جرسي أو هاتفي…. أو أنتِ  وتكتبُ لي دمشقُ.. فأردُّ لها ما كتبَت    مواضيع ذات صلة شيء ما يشبهني ولادةُ الأبَدِ نشيدُ العجزِ محرر الموقع http://abwab.eu/

أكمل القراءة »

الموت ومقاماته*

حمد عبود   «لا تمت ميتةً عادية في حرب غير عادية». تُخبرني صديقتي المريضة بزكام خفيف وعرضي أن للموت مقامات متفاوتة، وأنه ليس متساويًا، وأن الموتى ليسوا سواسية، يتساءل صديقي أيضًا: «كيف ستقابل وجه ربك إذا متَّ بأنفلونزا الخنازير مثلاً!». فتاة مسكينة ثانية -ليست صديقتي- نجتْ لسبب ما لا أحد يعرفُ ماهيته من قذائف الحرب، لتموت بعد أن انزلقت فوق قشرة موز فسقطت قتيلة، رحمها الله، لقد استحى أهلها وخجلوا أن يقولوا للجيران كيف ماتت ابنتهم، اكتفوا بدفنها وقراءة الفاتحة. في الحرب غير العادية، لا يُفضّل ولا يُستحسن أنْ تموت كيفما تشاء، عليكَ أن تعلم بأن هناك قواعد وخيارات متاحة ومحددة. أن تموتَ برصاص القناص فهو خير على خير، وإن كان ممكنًا فمُتْ بقذيفة في ساعة محددة من اختيارك أنت، أو في ساعة مفاجئة تمامًا كأي عيد ميلاد ادّعيتَ أنكَ نسيته، فقط لترسم على وجهك علامات المفاجأة والانبهار بعيد ميلادك الذي رتّبه الأصدقاء. في الحرب غير العادية أيضًا لا تمت لوحدك، خذ معك من يسلّي وحشتك ويشاركك القبر. أعرفُ أبًا كان يخافُ جدًا على أولاده، عندما مات أخذ العائلة كلها معه، هذه هي التربية الحديثة والموت الحديث، وكله في سبيل تحقيق «كواليتي» ثنائية الحياة والموت بشكلٍ رفيع المستوى ونخبوي. لا تنتحر أيضًا، فهذه موضة قديمة، سافر من دير الزور إلى حلب بدلاً من ذلك. “كيف ستواجه وجه ربك إذا مُتَّ شبعانًا بنوبة قلبية لكثرة الشحوم الثلاثية في الشريان الأبهر”. فعلاً هي حياة معقدةٌ جدًا، وموتٌ بيروقراطي. لا تهاجِر من أجل حياة أفضل، إنما هاجِر من أجل موت أفضل. وعليكَ أن تقتنصَ موتكَ المناسب في اللحظة المناسبة، وفي الحين الذي يموتُ فيه الكل بالرصاص فكّرْ بالذهاب والموت غرقًا، دَعْ أهلَ الحي يتكلمون عن إنجازك، وأهلك يفاخرون بك وبذكراك وموتك. مُتْ نظيفًا معقمًا بملح البحر بدل أن تموت بالكيماوي. مُت باردًا في ثلاجة على الطريق السريع. مُت اختناقًا بغبار الأبنية والمدارس المقصوفة. مُت بفطرٍ سام من غابات مقدونيا، وشارِك فِطر فَطورك مع أصدقائك. ...

أكمل القراءة »

شرعيّاتٌ في ميزانِ الحُلْم

  د. مازن أكثم سليمان | شاعر وناقد سوريّ   (1) لنا المطَرُ اللُّغويُّ إنْ كانَ القبوُ مُظلِمًا لنا البحرُ الفدائيُّ إنْ كانَ التَّعذيبُ مُحكَمًا لنا المَشهَدُ الذي تُجدِّدُهُ الدُّموعُ، كُلَّما ردَّدوا: القوَّةُ طَوْعُ سِياطِنا..!!   (2) النُّبلاءُ هم -فقط- المُتمرِّغونَ بتُرابِ الأسئلةِ: ]الغُبارُ شُبْهَةٌ مُغمَّسَةٌ بالتَّحدِّي والنِّداءِ … شُبْهَةٌ لا يمحو مَفاتِنَها هُبوبُ أيَّةِ ريحٍ عميلةٍ[.   (3) النُّبلاءُ هم مَنْ لا يُميِّزونَ شجرةً عن شجرةٍ، ولا عُصفورًا عن آخَرَ. مَنْ يَرْوُونَ المَراثيَ على الدُّروبِ المائِلةِ، فتنفتِحُ المَساراتُ أبعَدَ، ومَنْ يَقُصُّونَ شريطَ أيِّ تغييرٍ مهما كانَ نحيلاً، ومهما تدحرجَتِ المَناماتُ على هَوامشِ الوسائِدِ.   (4) في المُعتقلاتِ الرَّثَّةِ يظهَرُ معدَنُ الرَّحيقِ الأصيلِ: ذاكَ الذي نُزِعَتْ أُلفتُهُ من قَبْلُ! وداخِلَ كُلِّ سجنٍ سجنٌ ذاتيٌّ أشدُّ فتكًا مُذْ تألَّمَ الضَّوءُ القديمُ وهوَ يتقمَّصُ لحناً كحصانِ طروادةٍ يَلِجُ عبرَهُ انفجارًا ما زالَ ينأى عن الوصفِ.   (5) الجسَدُ برأسٍ مَفصولٍ عنهُ يبثُّ شرعيتَهُ في صَهيلِ الأحلامِ: شرعيةٌ تتسلَّلُ رويدًا رويدًا منذُ ما قبلَ الوجودِ بالفعلِ، وتتغلغَلُ في تَجاعيدِ الأرضِ ومَسامِ العالَمِ لأنَّ معها وحدها المَفاتيحَ السِّرِّيَّةَ لما حدَثَ ويحدُثُ وسيحدُثُ…   (6) لأنَّها الحياةُ اختاروا لأنفسِهِم زوايا لا تصلُحُ لالتقاطِ الصُّوَرِ التِّذكاريّةِ إنَّهُم يعيشونَ الآنَ -فحسبُ- في تمريناتِ المُستقبَلِ.   (7) الشَّرعيَّةُ عزْفٌ على أصابعِ بيانو التَّحوُّلِ. لُعبَةُ الصُّراخِ المُغامِرِ، وإكساءِ فضاءِ الرَّفضِ بطُيورٍ اعْتُقِدَ أنَّها انقرَضَتْ منذُ عُصورٍ.   (8) شرعيَّةُ المُغيَّبينَ والمَفقودينَ والمُهدَّدينَ في حياتِهِم وحياةِ ذويهِم أشدُّ سُطوعًا من كُلِّ الحبرِ المُراقِ في كُتُبِ القوانينِ ودساتيرِ الأُمَمِ.   (9) قد تبدو المُنعطفاتُ الحادَّةُ في التَّاريخِ بلا ماهيَّةٍ: ذلكَ صحيحٌ؛ لأنَّ الوجودَ حينَها يكونُ شكلاً حركيًّا لا يتوقَّفُ عن تفتيتِ الجواهِرِ القديمَةِ ونسْفِها بمفخَّخاتٍ من مَجاهيلِ الغَدِ الغريبِ رُبَّما.. … … /ما لا يُوقِنُ بهِ النَّاسُ ويتحكَّمونَ فيهِ قَبْليًّا -كما يتوهمونَ- يُخيفُهُم إلى حُدودِ تطايُرِ شَرَرِ الغرائِزِ عشوائيًّا، وقلَّما ينجو عابرو المرئيِّ من التَّردُّدِ كُلَّما ازدادَتْ تلفُّتاتُ الأحداثِ تشويشًا، وتكثَّفَ الانبساطُ الهلاميُّ لكيفيّاتِ المَعيشِ/.   (10) -تسقطُ الأنظِمَةُ والحُكوماتُ، وتتخلخَلُ السُّلطاتُ معَ ...

أكمل القراءة »

هل يمكن أن تنسى دمشق؟

نيرمينة الرفاعي | روائية أردنية انسَ دمشق، الكتاب الخامس عشر من سلسلة شهادات سورية، طبع عام 2015 بدعم من منظمة الأورو-متوسطية لدعم المدافعين عن حقوق الإنسان، وسأنوّه في البداية إلى أنّه قد يكون طبع أيضًا دعمًا للمدافعين عن حقوق المدن، عن حق دمشق في الذكرى، وحقّها في سرد يومياتها تحت العنوان الفرعي “يوميات الثورة والحرب والمنفى”، فدمشق موجودة في المنفى أيضًا، هي لا تترك ساكنيها بعد أن يغادروها، تبقى تحفر بأظافرها صخر أيامهم، دمشق المتغلغلة في الروح حتى عظمها، أسيكون لها نصيب من الذاكرة أم من النسيان في آخر الكتاب المزين غلافه بأحد شوارعها؟ تبدأ الحكاية بعد عام من الثورة، خروجًا من حمص، وصولاً بالسرّ إلى “قدسيا”، ثم إلى “مساكن بزرة”، وليس انتهاء ب”جرمانا”، حالة من “الاشتراكية” عمّت المدن التي تقاسم ناسها مساكنهم وطعامهم وشرابهم، بل وفي وقت المداهمات كانوا يتقاسمون الخوف أيضًا، لكل امرئ نصيب منه، يزرعه في قلبه بذرة صغيرة حتى تكبر، ثم يدع الأغصان لاحقًا تميل إلى حين يميل الضوء في المدن المعتمة، وهكذا وجد عمر يوسف سليمان نفسه يتتبع الورد على شرفات دمشق وهو يغادرها مرغمًا للمرة الأخيرة في آذار، 2012، ومن “نصيب” حيث صودرت بطاقاتهم السورية ووتم الترحيب بهم بالقول:”أهلا بكم، أنتم الآن لاجئون لدينا”، إلى “مخيم الرمثا” الذي غادره إلى “باريس” التي سهّلت به، فتاهَ في الشوارع خارج الزمان والمكان، محكومًا بلعنة الذاكرة. يعود الكاتب عامًا إلى الوراء، تتدفق الأفعال المضارعة إلى الوراء لترى البقعة السوداء التي لم ينتبه إليها من صرخَ بالحرية في بدايات 2011، ففي “سوق الحميدية” و”القلعة” كانت أعداد الجنود تكفي لاعتقال نصف سكّان دمشق، وعلى الرغم من الاعتقالات والمراقبة الأمنية وأخبار المجازر وكرسي التعذيب الذي كان يراه في نومه فقد طغت حلاوة كحلاوة “الراحة الدرعاوية” التي اشتراها من العجوز أمام الجامع الأموي على حديثه الحار عن الحرية. يوميات عمر يوسف سليمان في الثورة مليئة بالتفاصيل، الهروب والاختباء وتخطيط الشعارات بيد الأمهات، يأخذ بيد القارئ يشدّها أصبعًا أصبعًا ليؤلمه ويسمع صوت ...

أكمل القراءة »