الرئيسية » باب أرابيسك

باب أرابيسك

رواية لالين … “أمشاج من اللاهوت والحب والسياسة والحرب”

Alex Basanoff

أسعد فخري   بعد روايتها الأولى “الزفير الحار” ثابرت، وما انفكت الروائية السورية المجتهدة “وجيهة عبد الرحمن” على إصدار عملها الروائي الجديد تحت عنوان “لالين” المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت /2016/ وهي رواية لافتة، وتستحق التقرّي، والتأمل جراء تصديها لإشكالية لها من الأهمية بمكان، حيث محاولتها الجادة في تفكيك المقدس داخل تابوهات اللاهوت ومفاصله العميقة عبر سردية حملت الكثير من مشاهد القسوة، والألم والكثير من إرهاصات المواجهة بين القلب، والعقل، ومحاكاة مفهومة الحب، وعذريته البكر الخالية من قسر اللاهوت، وعثراته. وفق مقاربات كان في مقدمتها الخروج من عنق زجاجة تابوهات اللاهوت وأحفورة الأديان ومتفرقات مذاهبها المتعددة. تبدأ رواية “لالين” إيقاع سرودها اشتغالا على قصة حب بين “كاترين المسيحية، وزارا الأيزيدي” عبر مشهد طويل من الوقائع التي أثْرَت تلك العلاقة الإنسانية، ومنحتها أبعادًا حميمية أماطت اللثام عن تفاصيل الخيط الواهي لميراث المأساة التي تبدت على لسان غلام الخطيئة المقدسة “لالين” لتَمكين التعاقب، والاستمرار عبر الظهورات المتباعدة لشخصية “مارتا” مما يدلل بصورة لا تقبل الشك أن الروائية أجادت لعبة التأثيث برشاقة حين استَبقَت “مارتا” في الظل مرارًا ريثما يحدث ما حدث لكاترين التي تركت دفتر مذكراتها في مكان تعلمه “مارتا” التي تظهر في الفصول المتأخرة للرواية، وتقدم نفسها على أنها الوجه الآخر “للسارد العليم” مُعيدة السرود مجددًا إلى قصة الحب، ووقائع مفاصلها الشيقة. في”دهوك” كردستان العراق التي استقبلت وفدا من “المسيحيين” جاء من أجل زيارة المعالم المسيحية في المدينة وقتئذٍ تعصف مُستقر اللعبة السردية لتظهر السيدة “كاترين” التي كانت من عداد الوفد، بعد أن تتعرف على الدليل السياحي “زارا الأيزيدي” الذي كانت مهمته مرافقة الوفد حيث يتفقان “كاترين وزارا” على زيارة معابد الايزيديين. في الطريق إلى “لالش” تنصت كاترين إلى زارا وهو يحدثها عن طقوس الديانة الأيزيدية وطبقاتها غير أن المعبد الأيزيدي، ومعالمه غدت أشبه بعصا سحرية بعد أن دخلا إليه سوية فراحت كاترين ترسم صورًا من خلالها استطاعت حثَّ السرود على استثمار حكاية عشقها لزارا، وهيامه هو الآخر بها في ...

أكمل القراءة »

الميلاد من خلف النافذة

العمل للفنان وسام الجزائري

فرح يوسف إنه الموعد الرسمي للبهجة حسب التقويم العالمي، إنه موعد التزيّن والتأنق، التسوق والهدايا، التقاط الصور مع السرو المكسو المجرّد من هيبته بالكرات الملونة، والكثير الكثير من الأمنيات. لكننا خارج التقويم العالمي، أنت سوري لاجئ لا تخضع لتقويم منفاك كما تخضع لقوانينه، أنت مضبوط دائمًا على عقارب الألم. صباحًا ترتدي ملابسك، كنزة سوداء، جينز أسود، حذاء أسود، سترة سوداء، وشاح أبيض، لتكسر حدادك، لا تريد لحدادك أن يفسد المشهد العام، سترتدي ابتسامتك أيضًا، وتهنئ كل من يمرّ بك، وتتمنى له عيدًا سعيدًا، وستشكره أيضًا بحرارة على تعاطفه مع قضيتك. تمشي في الشوارع ليلاً ويصعب عليك، حتى في أعنف فترات التقشف الضوئي، أن تميز الليل من النهار، تُحاصرك البهجة، ولا شيء في ذهنك سوى الكليشيهات التي تتعلق بيوم الميلاد في بلادك، بلاد المئة ألف محاصر بالعهر والقهر. تتذكّر أعمال “وسام الجزائري” البديعة حدّ الوجع، سانتا كلوز المحمل بالعجز، شجرة الميلاد بكل أشكال رمزيتها، وصرخته حين صارت الجرنيكا في حلب، ولا مفرّ من البهجة المحيطة بك كقبو. ما قصّة الأشجار على كلّ حال؟ تعود إلى مسكنك، تبحث في كل المراجع، المعتمدة وغير المعتمدة، عن أصل شجرة الميلاد، لا شيء يُقنعك. رأفةً بخوفك الشديد من المساحات المغلقة، والغرف الفقيرة بالشبابيك، والستائر “الملكية” متعددة الطبقات، يأتي مسكنك مفتوحًا، عاريًا إلا من ستارة شفافة كئيبة تودّ لو تنزعها ولا تفعل، بالكاد ترى الإسمنت في الغرفة التي تجلس فيها، متأملاً النوافذ المحيطة بك، تبرق وتنطفي، بإيقاع منتظم كريه، نسيت أن أذكر كرهك للنظام والانتظام وكل ما له إيقاع رتيب. حسنًا لا يمكنك أن تُنكر أنّ هذا المنظر مُبهج، إنه كل شيء تذكره عن الميلاد في طفولتك، يوم كنت ساذجًا، ولا تعرف بعد تعريفًا واضحًا للطائفية، أو القمع، حتى أنك كنت تفضل غزل البنات على الحرية، وتسرق إصبع أحمر شفاه “إيف سان لوران” من أمك لترسم للمعلمة الأنف الأحمر الذي رسمته لك، ولكل أصدقائك أيضًا، لم تكن تعرف يومها أنّ كتيبة المهرجين هذه ستكبر في قلبك ...

أكمل القراءة »

برلينيات – الجزء السادس

Gilles Sabrié/The New York Times

راما جرمقاني   -1- عندما ودعتك ببرود لأني كنت أعلم بأني سأعود، أخبرتني أني فيما لو عدت، لن يكون لي مكان في حياتك. اليوم، وبعد عام، لم أعد، لكن لم يعد لي مكان في حياتك أيضًا. لقد كنت تكذب منذ البداية!! -2- اليوم أتمم عامي الأول بعيدًا عن دمشق. لا أشعر بشيء. لست حزينة. ولست سعيدة. لا أنتظر. ولكنني متلهفة لتغيير ما. لدي عمل. لكنني عاطلة عن العمل أيضًا. لدي منزل، لكن لا أعيش به. محاطة بأناس كثر. لكنني وحيدة. لدي أحباء لا حبيب، لكن ولا واحد منهم لي. إلا أن الشيء الوحيد المتأكدة منه. أنه لا حياة بمعنى الحياة لي هنا بعد. -3- أحيانًا أشعر بعبثية ما أقوم به، أشعر بعبثية وجودي في حد ذاته. أفتقد أي حافز للاستمرار بالحياة. بعد عدة جلسات مع الطبيبة النفسية أخبرتني أن هذا يدعى اكتئاب من النوع الحاد. -4- هناك متع يومية كنت اعتاد على تلوين حياتي بها. كفرحتي أثناء عودة التيار الكهربائي. فرحتي عندما أصل إلى المنزل وأجده دافئًا. سعادتي بالعثور على مكان لركن سيارتي أمام المنزل. أغنية أسمعها صدفة في الراديو. نقود يعيدها أحدهم لي كنت قد أقرضتها له ونسيتها. رسالة ما قبل النوم. اتصال غير متوقع. افتقد كل هذه المتع.. كم كان لها معنى!. -5- كنت أُعرّف الوطن بأنه المكان الذي أكون مرتاحةً فيه. لدي عمل ومنزل وأصدقاء. لكنني اليوم اكتشفت أن الوطن هو الذاكرة فقط.. -6- تعبت من أن أُعرّف بنفسي. أن أقول للآخرين من أنا. لكل شخص أنتقي جانبًا مني لأقدمه له، جانبًا يناسبني ويناسبه. أحاول أحيانًا جمع نفسي، أفشل، ولا أظن أن هناك آخر قادر على جمعي أيضًا. لقد أضعت كُلي بالأجزاء المبعثرة.. -7- أتألم أحيانًا من أشياء أعلم مدى تفاهتها. وأعلم أنها لن تعني لي شيئًا بعد حين.. لكن ماذا عن الوقت الراهن؟؟ من يعالج الألم الحالي؟ -8- كنت أحلم بألا أخسر مجددًا. الآن، أتمنى أن أتعلم كيف أتقبل الخسارة فقط. ألّا أجرف بطريقي أشخاصًا لا ...

أكمل القراءة »

حَمْلَةُ الرَّفيق نصر

اللوحة بعنوان "The heat" لـ"ليزلي ماركوس"

حَمْلَةُ الرَّفيق نصر  د.مازن أكثم سليمان   المُنجزاتُ التي أرويها لكُم أشواكٌ في حديقةٍ هجَرَتْها الأزهارُ الجرائمُ لا تسقطُ بالتّقادُم تُولَدُ وتنمو وتستبدُّ بما تستطيعُ ترويضَهُ كالذّاكرةِ حينَ تَمِيعُ ولا تلمَعُ وتصُبُّ مَشاهدَها في حُفرةٍ قديمة أو كيومٍ من أيام الرَّفيق نصر حينما وزَّعَ أوامرَ الاحتفال في المدرسة وكلَّفَ كُلَّ طالبٍ بدَفْعِ مَبلَغٍ وشراءِ صُوَرٍ وأعلام فالمُناسبةُ وطنيّة عظيمة وسيأتي الطَّبّالُ والزَّمّارُ حلَقاتُ الدَّبكة ستُعقَدُ وستُلقى الكلماتُ الخالدة فلا خوفَ من مكانٍ لا يُجَنُّ فيهِ قمَرٌ ولا داعٍ للتَّعَبِ على رسْمِ الابتسامات الرَّفيقُ عالِمٌ بكُلِّ شيء وحدقاتُ العُيون مهما اتّسعَتْ بينَ (استارِحْ واستاعِدْ) لنْ تخترعَ حدَثًا جديدًا جميعُ الصُّروح العِملاقة بُنيَتْ زمنَ الفُتوحات والكهرباءُ سَرَقتْ منَ العُقولِ شُعلَةَ النّار كُلُّ النّتوءات الشّاذّة مسَّدَها الإسفلتُ والتّشابُهُ نحَرَ كُلَّ خُصوصيّة فلا شيءَ في الأعالي قد يُرَفْرف ولا شكَّ مَسموحٌ بهِ بعدَ الآن -هكذا ردَّدَ الرَّفيقُ نصر مرارًا- وإلّا رسبتُمْ في مادّة التّدريب العسكريّ وفشلتُمْ في فكِّ وتركيب البارودة الرُّوسيّة أو ربّما طُرِدْتُمْ من الحزب حتّى لو كنتُمْ تحضرونَ الاجتماعات وتدفعونَ الرُّسوم..!!   . . . المُنجزاتُ التي أرويها لكُم تلتقي جميعُها كالرّوافدِ في ذلكَ اليوم التّاريخيّ حينَ أعلنَ الرَّفيقُ نصر:   “غدًا.. حَمْلَةُ تفتيشٍ واسِعة إيّاكُم أنْ تنسوا القُبّعةَ العسكريّة أو الرُّتَب المدرسيّة على الملابسِ أنْ تكونَ مُوحَّدةً كاللّيل وعلى الأظافرِ أنْ تُقَصَّ كالخَوَنة ومن يهربُ خلفَ الحَمّامات -حيثُ المَلاذُ الآمِنُ للمُدخِّنينَ وحيثُ العادةُ السِّرِّيّة تُرتِّبُ العلاقةَ معَ الآخَر- سأُعلِّقُ مِشنقتَهُ وأستدعي وليَّ أمرِه ومَنْ يُخالفُني في شيءٍ سيزحَفُ لساعتينِ فوقَ الحصى ويتدحرَجُ كجرَّةِ الغاز أنا الرَّفيقُ نصر أحَدُ حُرّاس الدّولةِ الأُمناء سَلُوني في أيِّ اختصاصٍ تودُّونَ وسأُجيبُكُم، وأُطَمْئِنُ بالَكُم: ستتكاثَرُ الصُّوَرُ والتّماثيلُ والهالةُ المُذَهَّبةُ حولَ التّلفاز..[   . . . شارَكْتُ في حربيْن وتزوَّجْتُ ثلاث مرّات فتَحْتُ دُكّانًا في الحارَة وساعَدَني قريبيَ اللّواءُ على تسديد دُيوني لساني مِرْجَلٌ لِعبارات التّأنيب الزَّنِخة فلا تُراوغُوني أبدًا يا بهائِم مسكينٌ مَنْ سيُنظِّفُ ما تحتَ أظافرهِ بحافَّة المِسطرة البلاستيكيّة مسكينٌ مَنْ سيقرضُ مَخالبَهُ داعيًا اللهَ ...

أكمل القراءة »

رسائل من سوريا: كم تدفع لتحصل على جثة ابنك؟

Manu Brabo/Associated Press

نيرمينة الرفاعي. أريد أن أبتدئ قراءة هذا الكتاب من زاويتي الخاصة هذه المرّة، فأحداث حلب الأخيرة كسرت قلبي بقدر ما أثارت رعبي ممن هم “شركاؤنا” في الأوطان والبلاد. استمعت هذه الأيام مطولاً لحديث البعض الواثق بأنَّ النظام السوري وحلفاءه يحاربون الإرهاب ويحمون “جميع” الدول العربية لأنّه دون منازع “سيد المقاومة والممانعة”، ولأنّه الوحيد الذي قهر اسرائيل، -على الرغم من أنَّه زعيم الاحتفاظ بحقّ الردّ حسب ملاحظاتي-، وهكذا وجدت نفسي على مدى الأيام الماضية أشاهد صور الدمار والجثث والعيون الزائغة والأجساد والمباني المثقوبة، وفي الخلفية يتردد صوت الموالين والرماديين وهم يؤكدون أنَّ في كلّ حرب هناك ضحايا ولا ضرر من ذلك فالأولوية الآن هي لمحاربة الإرهاب! سألتني “صديقة”: “من أين لك المعلومات وكيف تعرفين أن الأسد مجرم حقًّا”؟ لأجد نفسي بعد خمس سنين من القتل المتواصل أضطر إلى إجابة أسئلة بديهية كهذه، ولا أعلم من أين أبدأ فأقول بكلمات متدفقة لا تتوقف: “من تاريخ حزب البعث، من تاريخ أبيه، من مجازره، من سجونه، من الناس، من قصص الناس، من أولئك الذين عاشوا تحت رحمته وشاهدوا حياتهم تنهار قطعة قطعة على يده”! اخترت هذا الكتاب لأقدمه في هذا الوقت تحديدًا لأنني شعرت بحاجة ملحّة لتوثيق قصص هؤلاء الناس، ولا أتوقع بالتأكيد أن يتراجع “محاربو الإرهاب” عن رأيهم أو ألّا يرقصوا “لانتصارات” قائدهم، ولكنني على الأقل سأشعر بشيء من الأمل لو علمت أنَّ شخصًا واحدًا أعاد التفكير فتردد قبل أن يقدم إنسانا، -قد يكون أنا ذات يوم-، قربانًا في سبيل محاربة “الإرهاب”. بدأت “وجدان ناصيف” بكتابة هذه الرسائل في آذار 2012 باسم مستعار هو “جمانة معروف”، وكانت تُنشر دوريًا في “بلوج”: “عين على سوريا”. وكانت مجرد محاولة لإيصال صوت سوريا إلى العالم، كما تقول، وفي النصف الثاني من عام 2013 أبدت “بوشي شاستيل- سلسلة الوثائق” رغبة بنشر الرسائل ضمن كتاب صدر عام 2014 تحت اسم “رسائل من سوريا –  “Lettres de Syrie” ومع خروج الكاتبة من بلادها عام 2014 كانت قد أكملت المئة ...

أكمل القراءة »

سوريّة المُفيدة

"في انتظار البراميل" عمل للفنان عاصم الباشا

د. مازن اكثم سليمان شاعر وناقد سوري   (1) انشقَقْتُ عَنِ سَرمديَّةِ الخوف وهذهِ هُوِيَّتي… (2) الجُغرافيا هيكلٌ عظميٌّ يتغذّى من طبقاتِ اللَّحمِ التي تكسوهُ، كي ينمو. … النُّموُّ تطوُّرٌ؛ والتَّطوُّرُ ليسَ تقدُّمًا أو تقهقُرًا: التَّطوُّرُ حركةٌ بلا اتّجاهٍ مُسَبَّق، وكُلُّ حركةٍ جَمال… (3) على السَّلالِمِ الفضِّيّة لغُيومِ فصْلٍ غريب، ترتسِمُ الحُدودُ بأنامِلِ أميراتٍ يُدافعْنَ عَنِ القُبَلِ بحَرْقِ السَّتائرِ الحريريّة. حتّى آخِرِ نفَسٍ في الأغنيةِ تستمرُّ البراعِمُ بتوريث الحيِّز لأزهارِها. أستقبِلُ الغَدَ من دون وهمِ الإلهام، السّاعاتُ المُرتَّبةُ كالغسيلِ على رُفوف الوقت تذبلُ إنْ وضَعْنا لها خُططًا مَضبوطةً للارتداء، وعلى المدنِ التي يتمرَّدُ فيها الزمنُ أنْ تستحمَّ عاريةً بلا وجَل. (4) الجُغرافيا حُفرةٌ مائيّة تتمرَّغُ فيها فِيَلةُ التاريخ، والتاريخ ضميرٌ أعمَى ينتقِمُ بلا مُسوِّغات حتّى من نفسِهِ أحيانًا.. الانتقامُ الحَسَنُ هوَ أنْ يُغْرَسَ الخنجَرُ البوهيميُّ في ظَهْرِ الأيديولوجيا، كي يسيلَ ذلكَ النَّوع الكثيفُ من القيْح، وتُترَكَ قطعانُ حيوانات اليقين تموتُ ببطءٍ ساديٍّ، وبلا ندَمٍ. (5) في سوريّة المُفيدة تُودَعُ مَحاصيلُ الحياةِ كأسرارٍ خطيرةٍ في آذان قصَبِ السُّكَّرِ الحزين: ماتَتْ وردةٌ أُخرى تحت التعذيب، وكانَتِ الغابةُ قد دفعَتْ ملايينَ اللّيراتِ رُشَىً كي تعرفَ خبَرًا واحِدًا عنها.. … وحدهُ العطرُ المُتبقِّي يفهَمُ دلالات تلكَ النَّسائِمِ المُترنِّحة بينَ أصابِعِ تلويحاتِ الوداع. (6) قد تكونُ سوريّة المُفيدة المَنامُ الذي تُمزِّقُهُ الطَّعناتُ الشَّرِهة، لكنَّهُ يتكرَّرُ كُلَّ يومٍ مُحمَّلاً بالحِرْصِ الطُّفوليِّ على ملابسِ العيد.. مَنذورًا للتَّندُّرِ السّاخِرِ والشَّكِّ الواثِقِ إلى أقصى حُدود النَّظافة الخام والعبَث بالأقفال والتَّجاوُز العسَليّ.. قد تكونُ سوريّة المُفيدة (الشِّيك) في جَيْبِ فزّاعةٍ تُلقي خِطابًا، والعِملةُ الصَّعبةُ التي يُصرَفُ بها هيَ فقط الغُبارُ المُتطايِرُ في عشوائيّات الحنين.. قد تكونُ سوريّة المُفيدة الأوكسجينَ الخارِجَ من زنزانةِ بالونٍ مُنفجِر، والعائِدَ إلى مدىً بلا نهاية.. (7) لنْ يستدرِجَني الصَّمْتُ المَديدُ لعُقودٍ إلى إغواءِ كلمةٍ واحِدة لا تُشبِهُ عاصِفة. ينبغي حتمًا أنْ تطيرَ ضاحيةُ الأسلاكِ الشّائِكة وتترُكَ جُذورَها الصَّدِئة تتحلَّلُ مَنبوذةً كالمَحكومينَ بالمُؤبَّدِ في تُرابٍ نفَضَتْهُ مَزروعاتُهُ عن أجسادِها، وهربَتْ.. (8) سأُدلِّلُ المَفاهيمَ كأبٍ لهُ ولَدٌ وحيد. ...

أكمل القراءة »

بين الإله المفقود والجسد المستعاد

الصورة للفنان حسين حداد

نيرمينة الرفاعي. يناقش كتاب “بين الإله المفقود والجسد المستعاد” الصادر عن بيت المواطن في صفحاته الـ 154 اختلافات مدلولات كلمة الله في الواقع السوري الراهن. فعلى الرغم من توّحد الصورة اللغوية إلّا أن تعددية المعاني الدينية والأيدولوجية والاجتماعية والنفسية تعالت منذ بدايات الثورة السورية في شعارات وهتافات صادحة: “يا الله، مالنا غيرك يا الله”، مكمّلة تاريخ الكلمة التي كانت عبر الزمن سببًا للاختلاف والفرقة أكثر مما كانت للوفاق والسلام والمحبّة. عن الوضع السوري الراهن يتحدث الراهب اليسوعي والكاتب نبراس شحيّد محاولاً تفسير النداءات إلى “الله” في ظلّ النظام المسرف في القتل والآفاق السياسية شبه المغلقة والمجتمع الدولي العاجز عن إيقاف شلال الدم، ويبتعد عن تجمّد الدلالات الدينية والتصنيفات المعتادة فيصل إلى تفكيكات لغوية جديد وتفرعات غير متوقعة لكلمة الله. ثم يتذكر في حديثه أنَّ للموت أشكالاً وأسماء متعددة، فيدرك فجأة أن كثرة الأسماء ليست حكرًا على الله فقط، فالموت أيضًا له أسماءه، فبين الموت تحت التعذيب والموت تحت القصف والموت جوعًا والموت من شحّ الدواء ينساب الموت في تفرعاته الكثيرة مقسمًّا البلاد وممزقًا إياها نحو المزيد من الفرقة والاختلاف. وتستمر أصوات الانفجارات والتكبيرات والدعاء بالارتفاع في السماء مقلقلة الصمت الأزرق الذي يستقبل دون مانع من هتفوا له قائلين: “على الجنة رايحين شهدا بالملايين”، وتدور التساؤلات عن احتمالية فراغ عرش الله الذي لا بدَّ من أنَّه سكن في الأجساد المهشمة والجلود المتفحمة والحناجر المبتورة! وما بين جدلية الألم وجدلية الفراغ والحضور تنطلق صرخات الثورة مجددًا متجلّية بكثير من الأمل في القصص التي تدور في دمشق وريفها وضواحيها، فيرسم الكاتب هنا الله بشكل جديد في قلوب أشخاص لا يؤمنون بوجوده، ولكنّهم يهرعون إلى إسعاف الجرحى وتأمين العائلات وشراء الأدوية، دون إيمان يحرّكهم ولا جنّات موعودة تغريهم ولا حتى مجرّد عزاء ديني يواسيهم بالعدالة الالهية التي سمعوا بها ولم يروها. “لمَ لا تفعل شيئًا يا الله”؟ بين الجنة والعدم والثواب والعقاب ترتحل شعارات السوريين ما بين “وحيد وحيد وحيد، الشعب السوري وحيد” وما ...

أكمل القراءة »

موشور الموت

PHOTOGRAPH BY ALEXEY TROFIMOV - national geographic

رغدة حسن. في خضمِّ الفوضى التي تجنح لها الطبيعة، نجد إشعاعًا ناظمًا من قوانين التناسب، كما أننا نستطيع التنبؤ بكل شيء وقياسه بشكل حلقات إيقاعيّة، هذا ما قاله صاحب البشارة فيثاغورث: “الكون قائم على التناغم بين العدد والنغم”. وكما قال غاليلو “الرياضيات هي اللغة التي كتب بها الله الكون” هل تحققت هذه المقولات في سوريا؟ تناغم بين نغم آلات القتل وتعداد ضحاياها!؟ الحلقات الإيقاعية الرتيبة والمنتظمة التي تحاصر المدن السورية؟ لغة الموت والقتل الجهنمي التي يكتب الله فيها الآن تاريخ سوريا؟ وأين الله الآن من كل هذا؟؟ أرض صنّاع الحياة الحاملين أقواس التاريخ، من ثقبوا فجوات في عمق الأزمنة واستحقوا جدارة الأبد. أرض الألوان الممزوجة بإيقاعات الحياة الكثيفة، ترف الحرف الأول الذي فتح للبشرية فضاء الاكتشافات الأولى، أرض الأسطورة والحكايات المكتنزة سحرًا، محج عشاق المعرفة. أرض آلهة البانتيون الأوغاريتي؟ هل تغلب عليهم “موت” واستباح هذا الثراء المعرفي والعمراني والبشري، ليحقق طموحه الأزلي في التغلب على الخصوبة والنماء. أتى “موت” هذه المرة على متن الحديد الصلد، المصنّع في أروقة ساسة العالم، ليقضي على قمحنا المقاوم لليباب، موسيقانا العابرة للحدود، ألواننا المخبأة في شقوق الأوابد، ومنبت الشمس. “موت” المتسلح بموشور سحري، كهدية من سحرة اشتهروا باختراع مساحيق فتاكة، وأسلحة تغتال لون الفرح، ممتصًا أشكال الحياة وألوانها، عاكسًا لون الموت والخراب، ليصير هو اليقين المدرك، ويتحول الدم لمحبرة يخط بها السوري وصاياه. وإذا استرجعنا رؤيا الإله “أيل” في الأسطورة الأوغاريتية، “سنرى أن بعل مازال على قيد الحياة، حينها ستعود خصوبة الأرض، وخير السماء، ويسيل عسل الوديان، أن بعل حيٌّ حقًا لكنه فقط في براثن موت، الموت، يأتي الخبر إلى عناة. وفي حالةٍ من الغضب العارم: تقبض على الإله موت/ وتشقه بشفرة/ وتهوي عليه بمجرفة/ وتحرقه بالنار/ وتطحنه بحجر الرحى”. هذا النص الأسطوري المفعم بالمقاومة، مقاومة الموت ومفرداته وإعادة عجلة الحياة للدوران، هل يصلح أن نعتنقه مثالاً، لتجتمع من جديد آلهة أوغاريت في لغة واحدة ضد قانون الموت وسيادة القتل والإلغاء؟ أغلب العلماء والفلاسفة ...

أكمل القراءة »

قصائد من فلسطين

اللوحة للفنان نذير نبعة

نمر سعدي السامريُّ أنا السامري أنا وأصرخُ: لا مساسَ، فكلُّ من أحببتهم خانوا يديَّ، وسمَّروا قلبي على خشبِ الصليبِ، وأفردوني في الخريفِ بلا بنفسجةٍ، وأهدوا آخرَ الدمعِ المفخَّخِ بالرصاصِ، إلى أغاني البدوِ، هل سيكونُ وقتٌ كي أعودَ من اشتعالِ الماءِ بالعشبِ المغطَّى في الضحى بنحيبِ لوركا؟ أو لأسحبَ زهرةَ الصُبَّارِ وهيَ تكادُ تغرقُ بينَ أظفارِ الجفافِ؟ وكي أُداوي قلبَ شاعرتي المصابةِ بالكآبةِ والفصامِ الشاعريِّ، وكلِّ أعراضِ القوافي؟ آهِ هل سيكونُ وقتٌ كي أُردِّدَ في الخريفِ لنسوةٍ زوَّجنَ ناياتي لقهرِ الزمهريرِ: اغمضنها بأبي – إذا أوديتُ مغتربَ الهوى – أنتنَّ أجفاني، لأسمعَ سقسقاتِ الطائرِ الدوريٍّ من حولي، وأُبصرَ ما يشعُّ على يدَيْ أنثايَ من ذهبِ القصائدِ، أو سماواتِ القطيفةِ والحمامِ؟ السامري أنا وتلكَ نبوءتي الأولى، أقولُ لقُبلةٍ حجريَّةٍ في السورِ: كوني وردتي أو ماءَ صلصالي، ونارَ غوايتي البيضاءَ في وجعِ الرخامِ، السامريُّ أنا، وتلكَ أوابدي وطريقتي بتتبُّعِ الأشياءِ، أو برثائها الصوفيِّ والرعويِّ في ليلِ المنافي… *** أرقُ أكتوبر أكتوبرُ، الأرقُ النظيفُ، النايُ، رائحةُ الحنينِ، الظلُّ منشطراً إلى جسدينِ، ليمونُ التأمُّلِ، حسرةُ العشبِ المُغطَّى بانكسارِ الضوءِ، قوسُ ظهيرةٍ في الشرفةِ الزرقاءِ، صوتُ البرتقالِ، أوائلُ التكوينِ، آخرةُ القرنفلِ والسرابِ، المهدُ والماءُ المعذَّبُ، نزوةٌ عاديَّةٌ أكتوبرُ، النعناعُ والنمشُ الخفيفُ، أظافرُ الحنَّاءِ، مسقطُ دمعتي أكتوبرُ، الزيتونُ حينَ يصبُّ مثلَ أشعَّةٍ عطريَّةٍ في لمسةٍ امرأةٍ وفي العينينِ، معنى أن تصيرَ رؤايَ أوسعَ، والعبارةُ قُبلةً عمياءَ ضيِّقةً، وصلصالاً يعيدُ تشكَّلَ الأشياءِ في امرأةٍ وعاشقها… *** لا زلتُ أخطئُ في التخاطبِ لا زلتُ أُخطئُ في التخاطبِ بينَ مفردتينِ، بينَ قصيدةٍ بهشاشةِ الروحيِّ أو ولهِ الفراشاتِ العطاشِ بآخرِ المعنى، وبينَ صديقةٍ بصلابةِ الفولاذِ والحجَرِ الذي يمشي كمن في حلمهِ يطفو، أخطُّ قصيدةً بدمي وأُخطئُ، ثمَّ أنسى ما فعلتُ بجرَّةِ السهَرِ المؤرَّقِ أو بمرآةِ النداءِ النرجسيِّ إلى الوراءِ، تفتَّقتْ عن مقلتيَّ شقائقُ النسيانِ، قلتُ لعابراتِ القلبِ: هل يكفي لهاويةٍ من اللعناتِ خيطٌ واحدٌ ليجرَّها عني بعيداً؟ قلتُ للشجَرِ: انتظرني ريثما يغفو الرثاءُ الموسميُّ على الغصونِ، كأنهُ يبدو حقيقيَّاً أمامي حزنُ ...

أكمل القراءة »

سأخبرك

الصورة للفنان أيهم مليشو İstanbul 2016

فرح يوسف. يأتي على كل فتاة وقت تحتاج فيه لاستعراض مهاراتها في فن الإنشاءات الأنثوية، في هذه الأوقات تشعر بجدوى كل الفيديوهات التعليمية التي شاهدتها ولم تجرّبها بعد، وتشعر بقيمة إنفاق نصف دخلها على دورة التجميل حتى إن لم تجرّب بعد أيًّا من التقنيات التي تعلّمتها. أين سترتدي فتاة مثلي طبقات سميكة من مساحيق التجميل لتحصل على “المظهر الطبيعي”؟؟ ألم أخبركَ أنني عشتُ سنين الحرب خمسًا بكلّ هولها، ونزعت مساحيق الوجه حدادًا مرتين؟ حسناً سأخبرك، أنا فرح، عشت سنين الحرب خمسًا بكلّ هولها، ونزعتُ مساحيق الوجه حدادًا مرتين.. لنعد الآن إلى موضوعنا. تزامن وصولي إلى أوروبا مع عيد الهالوين، وتأكّدت حقيقة أنّ للقدر هواية “مجاكرتي”. كمحاولة للاندماج شاركت في الاحتفالات، وكأوروبية لطيفة خرجت لأمارس تسوّق “العيد”، إلّا أنّ الزي الذي اخترته لم يكن مزينًا بكلمة “sale”، صرخ خواء محفظتي في وجهي، ولم تسكت حتى أعادتني مجبرة إلى المنزل. جلست أمام المرآة، فردت غنائمي، وبدأت بطبقة سميكة من خافي العيوب حول عيني، في محاولة لإقصاء المغارتين المعتمتين أسفل عيني من الزي، طبقة من كريم الأساس الوردي، هذا الشحوب الجنائزي ليس جزءًا من المظهر المطلوب أيضًا، الكثير من أحمر الخدود لتفاحتي خدّين غير مسمومتين، وصفٌّ من الأظافر الصناعية لتغلق فم الوشاية، هذه الأظافر المقضومة تشبه نهاية إصبع اتهام سمج، وأخيرًا جينز ممزق يسمح لهواء كانون أن يسرح ويمرح، وكنزة سوداء رقيقة تشبه قليلاً ملابس حدادي. طرقات على الباب، أطفالٌ صاخبون: “?des bonbons ou on sort”..  حلوى أو لعنة؟ لماذا لم يطلب الموت “تحليته” قبل أن يصبّ علينا لعناته في بلادي؟ يحدّق فيّ “سبايدر مان” الصغير بملامح لاعب بوكر متمرس، وتسكت “سنو وايت” تمامًا، أعطيهم الحلوى وأدرك أنّ هذه الكارثة التي أحدثتها في ميزانيتي لم تكفِ، ما يزال مظهري مرعبًا أكثر من المطلوب. أعود إلى المرآة، ما زالت الليالي الطويلة من الأرق باديةً، لم أنجح بإخفاء انتظاري لطيار “متقّل بالفودكا” يضلّ طريقه عن أطفال بلادي ويجيء بحمولته إلى حيث أنا، ومازالت فوبيا البرد ...

أكمل القراءة »