الرئيسية » باب أرابيسك

باب أرابيسك

“كُنْ بريئاً كذئب” تقديس الحُبّ في كتاب ريم نجمي

عماد الدين موسى* يُمكِنُنَا اعتبار كتاب الشاعرة المغربيّة “ريم نجمي” الجديد: “كُنْ بريئاً كذئب”، الصادر عن منشورات المتوسط (ميلانو 2018)، بأنّه كتابُ حُبّ بامتياز، بدءاً من الغلاف مروراً بالإهداء ومن ثمّ الشذرات المنتقاة لتكون في مستهلّ بعض القصائد لِكُتّاب وشعراء آخرين، وصولاً إلى محتوى القصائد وعناوينها. ولعلّ ما يميّز كتابة “ريم” هو تلك الطريقة المُغايرة في تناول موضوع “الحُبّ”، حيثُ كل شيء من حولنا يشي به، الحبّ وحده دونَ غيره، بينما يتصّدر الكتاب شذرة لإيفون أودوار، يؤكّد فيها أنّ “هناك الكثير من الرّقّة علينا أن نتعلَّمَهُا من الذئاب”. في هذا الكتاب تنحو الشاعرة “ريم نجمي” إلى تدوين كل ما هو حميمٌ وآني من التفاصيل اليوميّة، تلك المُهملة أو العابرة ومن ثمّ تخليدها؛ ثمّة روحٌ تحوم داخل قصائدها، روحٌ حقيقيّة تتوق إلى الحريّة وذلك بالخروج على المألوف والمُعتاد، سواء من جهة المُفردة المنتقاة بعنايةٍ فائقة أو من حيثُ خصوصيّة العبارة لديها، عدا عن زاوية الالتقاط المشهديّة للأجواء والعوالم التي يتم تسليط الضوء عليها؛ فتقول: “في مَدِينتِنا/ يَكُونُ الخريفُ بارداً./ رغمَ ذلك كُنّا نَقِفُ طوَالَ الليْل/ مُتَعَانِقَيْن بِجَانبِ النَّهْر/ حتّى إن المارّينَ/ اعتقدوا أنّنا شَجَرَة”. تكتبُ “ريم نجمي” كأنّها في نزهةٍ قصيرةٍ لجمع الأزاهيرِ في يوم العطلة؛ تؤنسن الأشياء والموجودات من حولها وتستنطقها، ليس هذا فحسب، بل تبثّ فيها الروح أيضاً؛ كما في قصيدة (فصل الربيع)، أحد أبرز وأجمل (فصول الحُبّ الأربعة) على حدّ وصفها، وفيها تقول: “الساعةُ العاشرةُ تحتَ الصفر/ الثلجُ يُقبِّل النوافذ/ والريحُ تُمشِّط شَعْرَ الحديقة/ الناسُ في عَجَلة/ مِظلّةٌ مكسورةٌ تُلوّح بيديها/ للمُتسكّع الأخير في الشارع./ وحدي كنتُ دافئة/ فقلبي الآنَ في فصلِ الربيع”. الحواريّة ما بين “الظاهر” و”الباطن” بوصفهما عالمين منفصلين ومتقابلين، أو بين الأحاسيس الداخليّة في تعاطيها مع العالم الخارجيّ، هو ما جعل من الشتاء ربيعاً مزهراً؛ ثمّة انبهار شِعري جليّ نجده هنا في هذه القصيدة، رغم الثلج والبرد والحرارة التي تبلغ عشر درجات تحت الصفر. فيما يخصّ تعريفها للحُبّ فتقول الشاعرة: “لا أستطيعُ أن أُعرِّفُ الحُبَّ/ لكنّي ...

أكمل القراءة »

ذاكرة تجمع أوراق الحقيقة

عبد الكريم الأحمد مستلقياً في الهواء على ظهر الرياح أبحث عن وجه للحقيقة بكل تفاصيلها لا أرى حقيقة لهذا الكون خرطوم الماء يرقص في الهواء على كتف النهر ثم يسقط على وجهه مثل منجم خسر رهانه في ليلة عيد الميلاد أسراب الطيور غادرت أعشاش الذاكرة البحر يسبح من دون مائه الغيوم حبلى بالذكريات لكنها لا تنجب المطر رسائل عقيمة عن اللقاء هربت من حقيبة ساعي البريد تبحث عن أرواح أسيرة بين خيوط الانتظار لتتلو عليها آيات اللقاء الجنود ينتظرون الحرب القادمة ويحفرون لها القصائد الأحياء يسجلون اسماءهم في نعوات شهداء الثورة لا حقيقة هنا إلا لطيف فتاة تتجول داخل شوارع ذاكرتي كانت تذهب معي إلى السينما تركب البحر معي دون أن تخشى الغرق تسرق ابتسامة الصباح من جحيم الحرب شاركتني هتافات الثورة المسلوبة ترقص معي داخل نطاق الحلم على إيقاع موسيقى الثورة المهزومة بكل تفاصيلها تصعد معي إلى فوهة البندقية ترافقني الى المصير المجهول تقف معي تحت مطر أيلول دون مظلة دائما تسبقني إلى الموت والأهم من كل ذلك لم تقول لي يومآ أريد العودة إلى البيت عبد الكريم الأحمد اقرأ/ي أيضاً: أمسية شعرية في برلين ضمن فعاليات رابطة الصحفيين السوريين الرسول الرماديّ، أوديسا الشعراء السوريّين. مجموعة أدرينالين للشاعر الفلسطيني: غياث المدهون تُخضع الفيزياءَ لقوانين الشعر شعرُ التطبيقات وسرديات الأجندة شعر الخضر شودار: الحب في غرفة سلفادور دالي… محرر الموقعhttp://abwab.eu/

أكمل القراءة »

المزهرية والفراغ

من أفكار جورج براك / ترجمة الخضر شودار المزهرية والفراغ الطبيعة لا تمنحنا طعم الكمال، فلا نحن نتخيلها أفضل ولا أسوأ. ** لن نهنأ أبدا بالراحة. فالحاضر أبدي. ** الفكر والاستدلال شيئان مختلفان. ** لا يكفي أن يرى الآخرون ما نرسم، ينبغي أن نجعلهم يلمسونه. ** الفن هو شكل من أشكال العرض. ** أولئك الذين يأتون من خلف: الأنقياء، الأصحاء، العميان، الخصيان. ** لا أصنع كما أحب، وإنما كما أستطيع. ** لا ينبغي أن نطالب الفنان بأن يعطي أكثر مما يستطيع، ولا من الناقد أكثر مما يرى. ** لنكتف بأن نجعل الآخرين يفكرون، ولا نحاول إقناعهم . ** الفن جاء ليربك، والعلم ليعطي الثقة. **   الرسام يفكر بالأشكال والألوان، فالموضوع  شعري. ** لا ينبغي أن نحاكي ما نريد أن نخلق. ** هناك شيء واحد في الفن له قيمة؛ وهو ما لا نستطيع شرحه. ** الفنان ليس الذي أسيء فهمه، إنه الفنان المجهول يستغله الآخرون ولا يعرفونه. ** أحب القاعدة التي تقوم العاطفة. ** الفن يحلق، والعلم يمنحك عكازاً. ** لا يستعيد الرسام حكاية، وإنما يتمثل واقعة تشكيلية. ** يهمني أن أحل في الطبيعة أكثر مما استنسخها. ** الطقس هو أن تصل إلى درجة من الحرارة تجعل الأشياء طيعة. ** كل مرحلة تضع حدا لطموحاتها، ومن ثم وبالتواطئ، يولد وهم التقدم. ** المشترك صحيح والمتشابه كاذب. ترويبير يشبه كورو لكن لا شيء مشترك بينهما. ** الكتابة ليست وصفاً، والرسم ليس تصويراً. التشابه خائن الأعين. ** الجهد في الفن لا يقتضي التوسع وراء الحدود وإنما في فهم أفضل لها. ** لست رساما ثورياً ولا أبحث عن الإثارة، الحماس يكفيني. ** أن تعرف شيئاً هو أن تستبدل الشيء بتعريفه. ** الإلحاح، الهوس والهلوسة. ** في نهاية المطاف، أفضل الذين يستغلوني على الذين يجاروني، فأولئك لديهم ما يعلموني. ** كل حال تتكامل دائماً مع الحال السابقة لها. ** يمكننا أن نغير مجرى النهر ولكن لا يمكن ان نعود به الى النبع. ** الأفكار كالثياب ...

أكمل القراءة »

هكذا تتنحّى الأحجار لكي تعبر الموسيقا… الجمال في مواجهة الهَمَجية

الجزء الأول* وائل زكي زيدان* في العام 1220 م اقتحمت جحافل المغول مدينة بخارى الواقعة في “أوزباكستان” الحالية، ومارسوا فيها شتّى صنوف السلب والنهب والتخريب، قبل أن يبدؤوا بإحراقها كعادتهم عند اجتياح أية مدينة. وفيما كان “جنكيز خان” يتجوّل في الشوارع والساحات دخل بفرسه أحد مساجد المدينة والمعروف بالمسجد الجامع، ثم راح يتأمله طويلاً كالمأخوذ، لا كمكان خاص بالعبادة وإنما كتحفة معمارية فريدة، حتى ظنّه أول الأمر قصر السلطان. فما كان من هذا الرجل الملقّب “بقاهر الأرض” إلاّ أن أمَرَ جنودهُ بالامتناع عن حرْق ذاك المسجد بالذّات إضافةً إلى بضعة قصور أخرى. ما من أحدٍ كان يقف بجوار ذاك المسجد آنذاك، ليشرح لهذا القادم من قفار منغوليا الموحشة قيمة المبنى من الناحية الفنّية، أو ليعطيه كخرّيج من السوربون درساً في علم الجمال والحساسية. لقد استطاع المبنى وحده بثراء زخارفهِ ومُقَرنَصاتهِ وبروعة نقوشهِ وبلاطهِ المضلّع أن يدافع عن نفسه بنفسه، وبتعبيرٍ آخر نجح الجَمَال وحدَه وبصمت أن يُخمد رغبة “جنكيز خان” بالحرق والتدمير والانتقام من دون سجال أو فلسفة. ومن المؤكد، بالنسبة لي على الأقل، أنها ليست المرّة الأولى التي يسجّل فيها الجَمَال بمفردهِ انتصاراً نظيفاً وغير منظور على الهمجية. أصبح الجمال عِلماً مثل بقية العلوم منذ ثلاثة قرون فقط، على يد الفيلسوف الألماني “الكسندر بومغارتن Alexander Baumgarten” (1714–1762) وسيفشل الجميع مذّاك بإيجاد قواعد ناظمة وصارمة لهذا العلم الجديد، تاركين لروح المُتلقّي، قبل ثقافتهِ، هامشاً كبيراً لاختيار الموقف الجمالي الإنساني من كل ما هو جميل، وليتّسم الموقف ذاته بسِمة الحرية، لأن طرفه الأول هو حُرية داخلية في تكوين الموضوع الجمالي، وطرفه الثاني هو حرية ممنوحة لمشاعر المتلقّي وخياله. لكن من الواجب التذكير هنا بأن مختلف صنوف العِلم، بما فيها الفلسفة، قد كفّت عن إنتاج الدهشة ابتدائاً من منتصف القرن الماضي، خصوصاً وأن “سارتر” كان آخر رجل يمكن أن نطلق عليه وبكل ثقة صفة “فيلسوف”. وسأستثني من هذا طبعاً علم الفيزياء الفلكية، التي تقف الآن مع الجمال الفني من دون منازع فوق ...

أكمل القراءة »

ما يعيشه السوريون اليوم، هل هو مفترق طرق؟

سيف الدين القنطار جدلياً، للتراجيديا السورية بداية وذروة ونهاية، وقناعة السوريين عامة تتعاظم بأن عصر الرصاص مثل الرصاص أعمى يخبط خبط عشواء، فقد ارتوى التراب بدماء أبنائها، وأنهك الحصار واللجوء الملايين، وأضناهم التشرد في قارات العالم الخمس، وبعضهم لم ُيتح له الوصول في قوارب النجاة فمات غرقاً، والبعض لا زال في وطنه الممزق مسكوناً بالخوف. التدخل الخارجي: ثمة حرب ماضية قدماً لا تبقي ولا تذر، تشارك فيها دول أجنبية تستخدم أخطر الأسلحة وأحدثها، تبيد مدينة بأكملها بحجة القضاء على ثلة من (التكفيريين الظلاميين)، فيقتل آلاف الأبرياء وعشرات الإرهابيين. ولنا أن نتخيّل كم سيخلف استمرار انهمار القذائف وتدفق الدماء من كوارث وويلات وجروح إنسانية عميقة تتعلق بمصير السوريين كافة، وبما يرتسم على الأرض في قادم الأيام من خرائط وكانتونات ومناطق نفوذ، فما جرى ويجري يفوق الخيال، البعض يقول: إن البشرية لم تعرف مثل هذا منذ الحرب العالمية الثانية، ويرجعونه إلى أسباب عديدة شديدة العمق والتعقيد، داخلية وعربية وإقليمية ودولية، ويرون أساسه في غياب الحكمة والحصافة السياسية في مواجهة تلك الأسباب، والعجز عن قراءة الأحداث التي استغلت منذ البداية. ويبقى السبب المباشر لما جرى ويجري هو التحدي السلمي لسياسات جائرة، فاقمت التفاوت الطبقي بين السوريين، ورمت بخيرة شبابهم إلى سوق البطالة، واستخدمت القمع رداً على مطالب الناس العادلة، وزرعت الخوف في نفوس أبناء الوطن التواقين للحرية والكرامة. نداء التغيير البدئي: ما جرى في سوريا يعبر في أهم تجلياته عن الاستجابة لنداء التغيير في بلداننا العربية، ذاك الذي هز أعمدة أنظمة شمولية عاتية تعج بالفساد، بدأ في تونس وانداح كالطوفان. الشباب الذين حملوا راية التغيير اندفعوا إلى الساحات والشوارع يعبرون عن ذواتهم ولا يسألون عن المآل، فتمردُ الشباب وتوقهم إلى الجديد أمر طبيعي حسب قانون التاريخ. وقد جرى الاستخفاف بأمانيهم وتطلعاتهم واستسهل أصحاب الشأن وأدها خلال أيام، ولم يأخذوا بالحسبان أن ثمة من يتّربص ويتهيأ لتغذية الصراع كي يذبح السوريون بعضهم، لينتهي كل ذلك إلى تحويل وطننا إلى ساحة حرب، شاركت فيها الصواريخ ...

أكمل القراءة »

مي سكاف: نلتقي يا عزيزتي في عالم أجمل!

أبواب روزا ياسين حسن في منفاها في باريس، حيث تقطن منذ أعوام قليلة، رحلت الفنانة السورية “مي سكاف” عن عمر 49 عاماً. لم ترحل وحيدة ولكن حزينة ومتعبة على الرغم من المشاريع الكثيرة التي كانت تحضّر لها. فالأمر لا يتعلّق بالحديث عن ممثلة لطالما تحدّت المؤسسة الثقافية الرسمية وممثليها فحسب، بل برحيل معارضة رسّخت حضور الفن في الثورة السورية، وذلك بمشاركتها فيها منذ اندلاعها في آذار 2011، حين شكّلت مثالأ من أمثلة الحرية والشجاعة، الأمر الذي جعل الكثير من الشباب السوري الذي أحبها، وأحب حضورها المحبب، يطلق عليها: “إيقونة الثورة” أو “الثائرة الحرة”. لم تكن “مي” على الرغم من الخيبات المتتالية يائسة، بل كانت تحاول المواصلة في المنفى إن عبر عملها الكثير مع السوريين هناك، كما حصل مع (تظاهرة الكيماوي) التي أطلقتها في حديقة لوكسمبورغ بباريس، أو عبر مجموعة من المشاريع الفنية كانت آخرها مسرحية تجسّد معاناة السوريات المغتصبات لم يقدّر لها أن ترى الضوء. العنفوان والتحدي الذي جبلت “مي سكاف” عليه هو ما جعلها تؤسس معهد تياترو لفنون الأداء المسرحي في دمشق العام 2004، وقد بدأ بصالة صغيرة في حي الشهبندر الدمشقي استأجرته على حسابها الخاص، الأمر الذي قام به قليل من الفنانين السوريين، قبل أن ينتقل بسبب التضيقات الأمنية عليه إلى حي القنوات وثم إلى جرمانا حتى أغلق تماماً في بدايات العام 2012. كان ذلك المعهد أشبه بفسحة للشابات والشباب الراغبين بدراسة التمثيل وغير قادرين على الدخول إلى عرين المعهد العالي للفنون المسرحية، والذي كان يُحكم بالكثير من الاعتبارات الجائرة. وقد درّس في تياترو مدرّسون من خارج المنظومة الرسمية كذلك. في العام 2009 تخرجت أول دفعة بمساعدة من الفنانات أمل عمران وحنان شقير وأمل حويجة وسامر عمران والشاعر جولان حاجي وغيرهم. وفي المنفى كانت أحد أهم مشاريع “مي” إعادة افتتاح معهد تياترو من جديد في باريس. لم تدرس “مي” الفن أكاديمياً، لكن موهبتها الواضحة جعلت المخرج “ماهر كدو” يختار تلك الطالبة الشابة، التي كانت تؤدي دوراً مسرحياً على ...

أكمل القراءة »

من الفقيه إلى المثقف: الوظيفة والدور

قليلاً ما نجد بحثاً يتصف بالحيادية والعمق لرصد أطوار الكتّاب في المنطقة العربية. هذا الحوار، مع الدكتور والباحث خالد زيادة، يتتبّع أسئلة أُولى، محاولاً الإجابة عن “دور أصيل” لمثقفٍ كان فقيهاً وكاتباً في آن. بيروت/ علي جازو* ما الذي دفعك إلى تغيير عنوان الكتاب من “الكاتب والسلطان” حرفة الفقهاء والمثقفين الصادر عام 1991، إلى “الكاتب والسلطان” من الفقيه إلى المثقف في الطبعة الثانية عام 2017؟   كما لاحظت فقد مر وقت طويل بين الطبعة الأولى والطبعة الثانية، وهو وقت كاف للتفكير مرارًا بالعنوان، عند صدور الكتاب في طبعته الأولى وجدت صعوبة في اختيار العنوان، لذا أردته شاملاً لموضوعاته  أي الكاتب والفقيه والمثقف، والواقع أن التغيير ليس كبيرًا، أي لم أجرِ تعديلاً على اشتمال العنوان لموضوعات الكتاب، فهناك السلطة ممثلة بالسلطان، وهناك أنواع من المتعاطين بحرفة الكتابة: كاتب الديوان الذي يخدم الدولة في الشؤون المالية والعلاقات الخارجية، يُضاف إلى ذلك وظيفته كمستشار للسلطان إذا بلغ رتبة عالية في سلّم الإدارة، وهناك الفقيه الديني الذي يقوم بالوظائف الدينية كالامامة والخطابة والتدريس، ثم هناك المثقف وهو شخصية جديدة لم تظهر إلا في القرن التاسع عشر، ولم تتبلور وظيفته ودوره إلا في نهاية القرن المذكور. وهو إلى هذا الحد أو ذاك وريث الكاتب لجهة علاقته بالسلطة أو بفكرة الدولة، وهو وريث للفقيه لجهة علاقته بعامة الناس. التعديل الذي أجريته أرى أنه طفيف ويتعلق بمنع الكاتب استقلالية أكبر، ففي العنوان الأول يبدو كأنه تابع للسلطان فحسب. – يبدو أن الصراع على دور العلماء الديني التعليمي- الاجتماعي قد أخذ بعدًا فقهيًا مذهبيًا، ما السبب وراء ذلك التحوّل ، هل هو اداري تنظيمي محض، أم أنه إعادة توجيه تكاد تكون قسرية لدور العلماء؟ لا بد لي من توضيح بأن كتابي هذا يقع من الناحية الزمنية بين مطلع القرن السادس عشر ونهاية القرن التاسع عشر، اما اختيار هاتين اللحظتين، إذا جاز التعبير، فيرجع إلى التبديل الذي طرأ مع بداية القرن السادس عشر، وتحديدًا إلى سنة 1516-1517، السنة التي ...

أكمل القراءة »

اتّصالاتٌ مُرجَأة

د. مازن أكثم سليمان – شاعر وناقد سوريّ كان ياما كان أنْ يرنَّ جرَسُ الهاتفِ كوخزِ الرّيحِ العنيدة لوجهِ تائِهٍ يترنَّحُ سُكراً في زُقاق.. كان ياما كان أنْ يهتزَّ الصَّمتُ كعرشٍ آيِلٍ للسُّقوط مع كُلِّ اتّصالٍ يَجهَرُ بهِ الهاتفُ، كنقراتِ حبّات البرَد على نافذةٍ تُطَلُّ على حكايا النّاس الطَّيِّبين في دهاليز النِّسيان الأزرق. كان ياما كان أنْ ننتظِرَ مثل أطفالٍ يقفونَ في طابورِ في مدينة الملاهي، وأن نتوقَّعَ المُفاجآت في هواتفَ كعلَبِ الهدايا الملفوفة بعنايةِ الغيب وهوَ يتزلَّجُ على قوس قزح بعد مطرٍ حنطيّ قديم. ما زالتْ تُدهشني تلكَ البراءاتُ اليانعة.. تلكَ الحدائِقُ الحنونةُ المُلوَّنةُ في الذّاكرة كدفتر رسمٍ امتلأ نصفُهُ برسوماتٍ اندسَّتْ فيه كقططٍ تتدفَّأ، وبقيَتْ بضعُ صفحاتٍ بيضاءَ تنتظِرُ القُبَلَ القادمة.. هاتِفُ أيّام زمان؛ حيثُ لا كاشفَ يُسوِّرُ شوارعَ المُخيِّلة بأرقام المُتَّصلينَ، ولا يُحاصِرُ المَجازَ مُسَبَّقاً بأحاديثَ شبه مُعادةٍ كأنَّها ورقةٌ رسميّة في دائِرة حكوميّة.. هو الجهازُ المنذورُ للتَّسكُّعِ على حوافِّ الارتماء، حُرًّا في هُوَّةِ رحلةٍ بلا مواعيدَ. هو حنينُ الدَّهشةِ للأصواتِ الغريبة.. للملحِ المُتقلِّبِ على مائدةِ الملل، وللنّارِ في قلوبِ الهائمينَ في وَحدتهِم العذراء. /الزَّمنُ زحفٌ سرياليٌّ للأقاحي إلى كينونتِها الشّاسِعة، إلى انبساطِها في لحظاتِ التَّوتُّر الغنائيّ روحاً وجسَداً، ثُمَّ استسلامِها للرَّحيل بكُلِّ كبرياءٍ وصلابة/ هائِلٌ هوَ الحجابُ الوجوديُّ في احتمالاتِهِ العسَليّة، والعُرْيُ أرَقُ المَعرفة التي تفقدُ جاذبيتَها الأرضيّة في كُلِّ تعريفٍ، فأنْ لا نعيَ يعني ألّا نُؤطَّرَ في تقنيّةِ الضَّبطِ، أو نُسجَنَ في قفصٍ غادرَتْهُ قَبْلَنا العصافيرُ منذُ سنوات. أروي لكُم الآنَ عن فتاةٍ في أواخرِ القرنِ العشرين كانتْ تشعرُ بالسَّأمِ، فطلَبَتْ رقماً لا على التَّعيين، ولم تخشَ الكاشِفَ/الشُّرطيَّ اللَّعينَ الذي لم يكُنْ قد وُلِدَ بعدُ، وكانَ على الجانبِ الآخَرِ من السَّمّاعةِ مُراهِقٌ باتَ عليهِ أنْ يحُلَّ الأحجيةَ الصَّوتيةَ الرَّقيقة التي قذَفَها للتَّوّ ذاكَ المرَحُ الرَّخيُّ البسيط… أروي لكُم عن الرِّبح والخسارة في ميزان التَّطوُّر، وعن عدالة التَّحوُّلاتِ الشَّمطاء وهيَ تُصادِرُ مُمتلكات الأزهار الأُولى كالجماركِ بينَ حُدودِ الأنهار والمُروج. غرفتي الآنَ تتنهَّدُ بحنينٍ ماكِر: الكُرسيُّ يقولُ لي: ...

أكمل القراءة »

الهويات القاتلة وتشريع المجازر

خاص أبواب يتحدّث أمين معلوف في كتابه المميّز: الهويات القاتلة، عن ذلك المفهوم الضيق للهوية، الذي يختصرها في انتماء واحد، سواء أكان طائفياً أو دينياً أو عشائرياً أو إثنياً قومياً، فيحصر المنتمين لهذه الهوية في موقف متحيّز متعصّب ومتشدّد، وغالباً ما يحوّلهم إلى قتلة وأتباع قتلة، خصوصاً حين يتعرّض ذلك الانتماء إلى خطر (خارجي) ما، فتتشوّه رؤيتهم إلى العالم وتنحرف. فيتصنّف الناس الذين ينتمون إلى (جماعتنا) ليصبحوا (منّا)، ويجمعنا مصير مشترك ونهاية مشتركة في غالب الأحيان. أما غير المنتمين إلى (جماعتنا) فهم المتواجدون في الطرف الآخر: الأعداء، أولئك الذين لا نسمع شكواهم وعذاباتهم ولا نرى الظلم الذي يلحق بهم، رغم أنه قد يكون على مرمى نظرنا. فما يهمّ هو موقف (الجماعة) الذي يكون في غالب الأحيان موقف أكثر أعضائها تعنّتاً وغوغائية وشراسة! وهنا تكمن خطورة هذه الانتماءات الضيقة، فحين يشعر أصحابها بأن “الآخرين” يشكّلون خطراً على أثنيتهم أو ديانتهم أو قوميتهم أو عشيرتهم، على انتمائهم باختصار أياً كان هذا الانتماء، فكل ما بإمكانهم فعله لتبديد هذا الخطر سيتراءى لهم مشروعاً، حتى لو اقترفوا أبشع المجازر، فهم على يقين بأنهم يفعلون ما هو ضروري لحماية أهلهم. وبما أن كل من يدورون في فلكهم من المنتمين لذات (الجماعة) ويبادلونهم ذات الأحاسيس، فلا يشعر القتلة في معظم الأحيان بتأنيب الضمير، بل العكس فهم أبطال يسعون إلى حماية أهلهم وأطفالهم وهويتهم. أما حين يخرج من ضمن (الجماعة) أناس “فاترون” أو “مشكّكون” بصحة ما يفعله أولئك المدافعون عن الهوية أو الانتماء، فممارسة الإرهاب ضدهم ونعتهم بالخونة والمرتدين هو أقل ما يمكن أن يمارس بحقهم. الشعور الذي يتوالد داخل الشخص الذي يتحرك من أجل جماعته المغلقة، حيث تصاحبه الدعوات والصلوات، هو شعور الدفاع المشروع عن النفس، وهي السمة المشتركة لكل الذين ارتكبوا أبشع الجرائم في كل أرجاء العالم، من رواندا إلى يوغوسلافيا السابقة مروراً بالكثير من الجرائم العرقية والدينية الطائفية وغيرها. إذاً فمفهوم الهوية الضيّق، بحسب معلوف، مفهوم مضلّل، يوحي بادئ الأمر بحق مشروع، ثم يصبح ...

أكمل القراءة »

شخصية العدد: يوهان فولفغانغ غوته Johann Wolfgang von Goethe

لقّب بـ”عبقري العالم” الشاعر والمسرحي والروائي والناقد والعالم الألماني. ولد في فرانكفورت العام 1749 ومكّنه انتماؤه للطبقة الوسطى الميسورة من تلقي تعليم ممتاز في سن مبكرة. تأثر بالمسرح الفرنسي الكلاسيكي في محاولاته المسرحية الأولى، إلا أنه سرعان ما تأثر بأستاذه “هيردر” حين كان يكمل دراسة القانون في جامعة ستراسبورغ العام 1770-1771، حيث كان “هيردر” يقود ثورة ضد الأدب المصطنع للكلاسيكية الجديدة. مارس “غوته” القانون بشكل متقطّع في مسقط رأسه خلال سنوات خمس، لكن نشاطه الحقيقي كان موجهاً لبناء شهرة أدبية. بدأ حياته الأدبية بأعمال غير هامة، لكنه بدأ بكتابة روايته الشهيرة “فاوست” العام 1771 لينشرها بجزأيها الأول 1808 والثاني 1832 بعد ذلك بحوالي ستين عاماً. في العام 1773 نشر مسرحيته “غوتزفون بيرليشن جن” التي تتحدّث عن رجل نبيل في العصور الوسطى وقف مع الفلاحين في ثورة فاشلة. اعتبرت من أنجح الأعمال الأدبية في فترة ظهورها، فقد كرّست قيم الحرية وابتعدت عن الشكل التقليدي. أعقبتها رواية لا تقلّ نجاحاً وهي “آلام فيرتر” 1774، رواية عاطفية أبكت أوروبا آنذاك، وتتحدّث عن شاب فقد عقله بسبب الحب، وهي كمعظم أعماله جزء من تجربة عاطفية لغوته، فقد اعترف بأن كل أعماله هي (أجزاء من اعتراف كبير). بعد أن دعاه دوق فايمر “كارل أوغست” 1775 إلى دوقيته الصغيرة، التي كانت تعدّ العاصمة الثقافية لألمانيا، تسلّم “غوته” لمدة عشر سنوات مهام إدارية متنوعة قلّلت من إنتاجه الأدبي، في نهايتها قرّر الخروج والقيام برحلة إلى إيطاليا دوّن بعدها كتابه: “الرحلة الإيطالية” 1816- 1817. بعد ذلك لم تكن حياته حافلة بالأحداث. لكنه ظلّ يدير المسرح الملكي لأكثر من ربع قرن. في العام 1794 بدأت بينه وبين المسرحي المعروف “شيلر” صداقة قوية حتى وفاة الثاني العام 1805. كانت تلك الصداقة حديث العصر لأن “غوته” كان محروماً من الصداقات الحقيقية التي تقوم بين ندّين. فقد اعتبره معاصروه “كجبل الأوليمب” ينظر إلى الآخرين من الأعلى. نعى غوته صديقه قائلاً: “فقدت نصف حياتي”. لكن بعد سنوات قليلة 1816 تزوّج حبيبته “كريستين فولبيوس” ...

أكمل القراءة »