لن يكون وجودنا طارئًا في ألمانيا

رامي العاشق.

كلّ يوم يمضي هنا في ألمانيا، نكتشف أن وجودنا -كعرب وكناطقين بالعربية- لن يكون طارئًا، ولن يختفي بسرعة، فقد أصبح وجودنا أمرًا واقعًا، بالنسبة إلينا وبالنسبة لأصدقائنا الألمان، هذا الوجود لم يتوقف عند مرحلة الوجود فحسب، لو كان كذلك لأصبح طارئًا سينتهي قريبًا، إلا أنه بدأ يتأصّل، وبدأ كثيرون يفتتحون مشاريعهم، ثقافية كانت أم تجارية، سياسية أم اجتماعية، وبدؤوا يؤسسون لوجودهم بشكل حقيقي بعيدًا عن سرديّات اليمين المتطرّف الذي يتهمهم بأنهم عالة على المجتمع ودعاة تخريب، وبعيدًا عن سرديات الضحايا التي بدأت تتضاءل لصالح فعل النجاة والعمل.

في المقابل، وعلى الطرف الآخر، وبعيدًا عن جدالات ثقافة الترحيب، الاندماج، الثقافة السائدة، العمّال الضيوف، والكثير من المصطلحات المرحلية التي تأخذ ضجة وجدلاً ثم تختفي وكأنها لم تكن، يزداد خطر الخطاب اليميني المتطرف ومعاداة الأجانب يومًا بعد يوم، ويزداد خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتساهم وسائل الإعلام في تأجيجه، والرد على هذا الخطاب المريع لا يجب أن يكون بالتقوقع على الذات والانعزال والتعامل مع من يشبهوننا وينتمون إلى مثل أفكارنا فقط، لا يكون الرد إلّا بصوت عالٍ نعبّر فيه عن وجودنا، ثقافتنا، أحلامنا، مخاوفنا، ويجب أن يتوسع ليصل لكل من نستطيع أن نصل إليه، الانغلاق لا يخلق إلا صناديق نختنق فيها ويسهل فيها حصارنا وتصنيفنا، والانفتاح يجعلنا أكثر انتشارًا وتأثيرًا ومعرفة.

في العدد 20 من صحيفة أبواب، حاولنا تسليط الضوء على بعض هذه المبادرات والنشاطات، واستضفنا بعض الشخصيات التي تحاول جاهدة خلق شيء من لاشيء. بعضهم نجا من مجزرة، بعضهم نجا من اعتقال وتعذيب، بضعهم ما زال يسكن في حنينه، وبعضهم يضع خطواته الواثقة على طريق طويل.

وأنا أرى الصحيفة تكبر بقرّائها وكتّابها، أراها تكبر مع مشاريع مهمة بدأت تفرض نفسها لتؤسس شيئًا لهذا الوجود المستمرّ، مكتبة عامّة هنا، مهرجان هناك، محالّ تجارية في كل مكان، طلّاب يكملون تعليمهم، كل هذا سيستمر ولن يكون طارئًا، مع التأكيد الدائم، على الحاجة الملحة للعمل يدًا بيد، ندعم بعضنا ونفتح الأبواب للآخرين.