الرئيسية » افتتاحيات » ضحايا الدرجة الثانية

ضحايا الدرجة الثانية

 

ضحاياهم وضحايانا، قتلاهم وقتلانا، دائمًا ما نجد هذا التفضيل بين متماثلين، وغالبًا ضمير الملكية هو الذي يعطي القضيّة بعدًا آخر، وإننا نسمّي القاتل قاتلاً حين يقتلنا، ولكن حين يقتل من يختلف عنا، فتصبح القضية وجهة نظر!

وهذا ينطبق على كثير من المجتمعات، بدءًا منا، إلى شعوب ما يسمى بالعالم المتقدم. في كلّ المجتمعات يوجد من يصفق للمجرم، مصفقون لبشار لأسد، وأبيه من قبله، لصدام حسين، لهتلر، لإسرائيل، ومصفقون لداعش.. إلخ.

أمّا الضحايا، فهذا يعتمد على هوية الضحية، هل هي ضحيتنا أم ضحيتهم؟ فمثلاً: لم تُحدِث جريمة 11/9 في نفوس العرب والمسلمين، الألم ذاته الذي أحدثته في نفوس الغرب، ولم يعتبر معظم العرب والمسلمين أن هؤلاء الضحايا ضحاياهم أيضًا، كذلك، اكترث العالم المتقدم بجريمة شارلي إبدو أكثر بكثير من مجازر حلب ودير الزور وغيرها من الجرائم التي تحصل اليوم أمام أعين العالم.

هذا التقسيم المقيت للضحايا وللمجرمين بحسب هوياتهم، وبحسب قربهم منا أو من “أعدائنا” ليس من “الإنسانيّة” بشيء. يفرح مسلمون بتهدّم ملهىً ليليٍّ، ويفرح غيرهم بتهدّم مسجد! مع أن الضحايا في الحالتين من المدنيين العزل، إلّا أن المعيار هنا ليس الضحية بل انتماؤها. كلّ هذا يمكن فهمه، ولا يعني أنه يمكننا تبريره.

أما الذي لا يمكن فهمه ولا تخيّله، هو أن تكون المفاضلة بين ضحيّتين على أساس جنسية القاتل، بحيث لا تعود الأهمية المطلقة متركزة على هول الجريمة، وفظاعتها، وتداعياتها، ولا حتى على الضحية، وما حصل لها، وما تأثير هذه الجريمة على ضحايا محتملين، كل هذا ليس مهمًّا، المهمّ: هو جنسية الجاني بالدرجة الأولى، وأي شيء غيره يأتي لاحقًا.

فإذا أتينا بحادثتين متماثلتين، الضحيّة فيهما ذات بشرة بيضاء، أوروبية، غير مسلمة، في كلتا الجريمتين، ولكن في الجريمة الأولى، كان القاتل أوروبيًا، أبيضَ البشرة، غير مسلم، وفي الثانية، لاجئًا أو مسلمًا.

سيتم التعاطي مع الجريمتين بطريقة مختلفة، سيركز الإعلام والشرطة وغيرهما على الجريمة الثانية، وعلى جنسية الجاني، وعلى لون بشرته، وموطنه الأصلي حتى جده الرابع. أما الأولى، فستمر بهدوء، لن يسمع بها أحد، ولن يعرف بقضيّة الضحية أحد، لأن المجرم لا يملك “هويّة مغرية إعلاميًا”!

وهنا تحدثنا عن ضحيتين متماثلتين، فما بالكم لو كانت الضحية في الجريمة الأولى، أجنبية، بلون بشرة مختلف، ومسلمة!؟ سيكون الوضع أسوأ بالتأكيد.

ما أريد قوله، هو دعوة للجميع، لكل من تصله هذه الكلمات: ألّا يفرّق بين قاتل وقاتل، وبين ضحية وضحيّة، كل ضحية تستحق ذات القدر من التضامن والتعاطف والمناصرة والعمل على عدم تكرار الجريمة أيضًا، وكل مجرم يستحق العقاب، كائنًا من كان، فالأخلاق لا تتجزأ.

 

رامي العاشق Ramy Al-Asheq
شاعر وكاتب صحافي من سوريا – فلسطين، رئيس تحرير صحيفة أبواب، صدر له “سيرًا على الأحلام” 2014، “مذ لم أمت”و “لابس تياب السفر” 2016، يعيش في ألمانيا بعد استضافته من مؤسسة هاينرش بول الألمانية في منحة تفرّغ للكتابة الإبداعية.

Ramy Al-Asheq ist ein syrisch-palästinensischer Lyriker, Schriftsteller und Journalist. Er ist Chefredakteur von Abwab, der ersten arabischsprachigen Zeitung Deutschlands.
Al-Asheq wurde 1989 in Sharjah in den Vereinigten Arabischen Emiraten als Sohn einer Syrerin und eines palästinensischen Syrers geboren. Er wuchs im „Yarmouk Camp“ für palästinensische Flüchtlinge in Damaskus auf.

Ramy Al-Asheq is a Syrian-Palestinian poet, writer and journalist. He is Editor-in-Chief of Abwab, the first Arabic newspaper in Germany.
Al-Asheq was born in 1989 in Sharjah (United Arab Emirates) to a Syrian mother and a Palestinian-Syrian father. He grew up in the “Yarmouk camp” for Palestinian refugees in Damascus.

عن رامي العاشق Ramy Al-Asheq

رامي العاشق Ramy Al-Asheq
شاعر وكاتب صحافي من سوريا - فلسطين، رئيس تحرير صحيفة أبواب، صدر له "سيرًا على الأحلام" 2014، "مذ لم أمت"و "لابس تياب السفر" 2016، يعيش في ألمانيا بعد استضافته من مؤسسة هاينرش بول الألمانية في منحة تفرّغ للكتابة الإبداعية. Ramy Al-Asheq ist ein syrisch-palästinensischer Lyriker, Schriftsteller und Journalist. Er ist Chefredakteur von Abwab, der ersten arabischsprachigen Zeitung Deutschlands. Al-Asheq wurde 1989 in Sharjah in den Vereinigten Arabischen Emiraten als Sohn einer Syrerin und eines palästinensischen Syrers geboren. Er wuchs im „Yarmouk Camp“ für palästinensische Flüchtlinge in Damaskus auf. Ramy Al-Asheq is a Syrian-Palestinian poet, writer and journalist. He is Editor-in-Chief of Abwab, the first Arabic newspaper in Germany. Al-Asheq was born in 1989 in Sharjah (United Arab Emirates) to a Syrian mother and a Palestinian-Syrian father. He grew up in the “Yarmouk camp” for Palestinian refugees in Damascus.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

كتابات النساء: في تدوير زوايا العالم

  روزا ياسين حسن| رئيسة التحرير تعرّضت المرأة خلال تاريخ الكتابة الطويل إلى محاولات حثيثة لإقصاء صوتها. فلطالما تسلّط الرجل على اللغة، والمتسلّط على اللغة متسلّط على المعنى، ينتجه على هواه وديدنه، والأهم أنه ينتجه حسب مقولاته التي يدفع بها ويكرّسها بالكتابة/ اللغة. هذا ما ...