الرئيسية » افتتاحيات » رجاءً! لا تغلقوا روردام

رجاءً! لا تغلقوا روردام

ونحنُ نعدّ هذا العدد من “أبواب” وقد قاربنا على الانتهاء من ملفّ العدد “الهوية والوطن” استوقفتي صورة وضعها ناشطون على موقع فيسبوك، للاجئين في مخيّم (روردام) في برلين، اعتصموا ضد قرار إغلاقه ونقلهم إلى مخيم (تمبلهوف) الشهير بالظروف السيئة التي يعيشها سكّانه.

“رجاءً! لا تغلقوا روردام” هكذا كتبوا على لافتاتهم باللغة الإنكليزية، لا بالألمانية، لأنهم بالضرورة قادمون جدد، واصلون للتوّ، غارقون في معاناتهم الجديدة وانتظارهم في مخيّمهم الذي يبدو أنه “جنّة” أمام “جحيم” تمبلهوف!.

وُلدتُ في مخيّم، وعشتُ لاجئًا، وأعرف تمامًا كيف يمكن أن تحنّ إلى ما لا يُحنّ إليه، وكيف تجعل من الخرابة وطنًا. أعرفُ أن مخيم اليرموك بدمشق لم يكن جميلاً، بل كان قبيحًا، مكتظًا، فقيرًا، إلا أنه كان وطنًا لسكّانه، قال لي أحد الأصدقاء معرّفًا الوطن: “هو المكان الذي نسكن إليه” هذا تعريف مكثّف يمكن أن يعبّر عن مفهوم الوطن، ولو أنّني أختلف معه، فلكلّ شخص تعريفه، بالنسبة إلي، الوطن: ليس مساحة جغرافية لها حدود وعلم ونشيد وطني. الوطن هو “الذكريات والناس”، يمكنني أن أختصر وطني بهما فأين تكون ذكرياتي وناسي يكون وطني.

في الوقت الذي يفاضل اللاجئون بين مخيّم ومخيّم، بين خيمة وخيمة، وبين مؤقّت ومؤقت، يصبح واضحًا أن البحث عن الاستقرار والبقاء أهمّ من العودة، على الأقل “مرحليًا”، وهذا تمامًا ما فعله جدّي حين غادر فلسطين عام 1948 هاربًا باتجاه سوريا، فجلس في مخيم النيرب في حلب، ثم انتقل إلى مخيم اليرموك في دمشق، وأنجب والدي الذي ما ترك المخيّم إلّا حين قُصفت بيوتنا، إلّا أنه لم يبتعد، بقي في دمشق إلى اليوم، حتى أنه لم يجرّب الخروج من سوريا، لا أعلم لماذا! ربّما لأنه لا يريد أن يصبح لاجئًا من جديد.

كذلك يصعب علينا، نحن أبناء الهويّات المركّبة، تعريف الهوية وشرحها، فأنا أنتمي للناس –وهذا ليس تنظيرًا- فأنا ابن مخيّم اليرموك أولاً، وأنتمي لسكّانه، وأنا ابن دمشق، وابن سوريا، هكذا بشكل هرميّ مكاني مقلوب ينتهي بالقول.. أنتمي للإنسانية أين وجدت. أتحدّث العربية وأكتبها بحبّ، ولا أعتقد أنّي سأبدع في غيرها، “أنا لغتي” يقول محمود درويش، أما بورخيس فيقول: “نحن ذاكرتنا، نحن ذلك المتحف الخيالي للأشكال المتحولة، تلك الكومة من المرايا المكسورة”.

منذ شهرين، كتبت والدة الشاعرة السورية لينة عطفة: “ليش الواحد بيشعر بالانتماء حتى لو بالكامب” ربما اختصرت الأمر كلّه.. لذلك، “رجاءً! لا تغلقوا روردام”!

 

رئيس التحرير: رامي العاشق

[email protected]

رامي العاشق Ramy Al-Asheq
شاعر وكاتب صحافي من سوريا – فلسطين، رئيس تحرير صحيفة أبواب، صدر له “سيرًا على الأحلام” 2014، “مذ لم أمت”و “لابس تياب السفر” 2016، يعيش في ألمانيا بعد استضافته من مؤسسة هاينرش بول الألمانية في منحة تفرّغ للكتابة الإبداعية.

Ramy Al-Asheq ist ein syrisch-palästinensischer Lyriker, Schriftsteller und Journalist. Er ist Chefredakteur von Abwab, der ersten arabischsprachigen Zeitung Deutschlands.
Al-Asheq wurde 1989 in Sharjah in den Vereinigten Arabischen Emiraten als Sohn einer Syrerin und eines palästinensischen Syrers geboren. Er wuchs im „Yarmouk Camp“ für palästinensische Flüchtlinge in Damaskus auf.

Ramy Al-Asheq is a Syrian-Palestinian poet, writer and journalist. He is Editor-in-Chief of Abwab, the first Arabic newspaper in Germany.
Al-Asheq was born in 1989 in Sharjah (United Arab Emirates) to a Syrian mother and a Palestinian-Syrian father. He grew up in the “Yarmouk camp” for Palestinian refugees in Damascus.

عن رامي العاشق Ramy Al-Asheq

رامي العاشق Ramy Al-Asheq
شاعر وكاتب صحافي من سوريا - فلسطين، رئيس تحرير صحيفة أبواب، صدر له "سيرًا على الأحلام" 2014، "مذ لم أمت"و "لابس تياب السفر" 2016، يعيش في ألمانيا بعد استضافته من مؤسسة هاينرش بول الألمانية في منحة تفرّغ للكتابة الإبداعية. Ramy Al-Asheq ist ein syrisch-palästinensischer Lyriker, Schriftsteller und Journalist. Er ist Chefredakteur von Abwab, der ersten arabischsprachigen Zeitung Deutschlands. Al-Asheq wurde 1989 in Sharjah in den Vereinigten Arabischen Emiraten als Sohn einer Syrerin und eines palästinensischen Syrers geboren. Er wuchs im „Yarmouk Camp“ für palästinensische Flüchtlinge in Damaskus auf. Ramy Al-Asheq is a Syrian-Palestinian poet, writer and journalist. He is Editor-in-Chief of Abwab, the first Arabic newspaper in Germany. Al-Asheq was born in 1989 in Sharjah (United Arab Emirates) to a Syrian mother and a Palestinian-Syrian father. He grew up in the “Yarmouk camp” for Palestinian refugees in Damascus.
x

‎قد يُعجبك أيضاً

ضحايا الدرجة الثانية

  ضحاياهم وضحايانا، قتلاهم وقتلانا، دائمًا ما نجد هذا التفضيل بين متماثلين، وغالبًا ضمير الملكية هو الذي يعطي القضيّة بعدًا آخر، وإننا نسمّي القاتل قاتلاً حين يقتلنا، ولكن حين يقتل من يختلف عنا، فتصبح القضية وجهة نظر! وهذا ينطبق على كثير من المجتمعات، بدءًا منا، ...