الرئيسية » افتتاحيات » افتتاحية العدد 30 من أبواب: تساؤلات المنفى والوطن

افتتاحية العدد 30 من أبواب: تساؤلات المنفى والوطن

روزا ياسين حسن*

لم تكن المظاهرات التي خرجت مؤخراً في ألمانيا دعماً للانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، هي الأولى من نوعها للقادمين من بلدان الديكتاتوريات. فقد اختبر السوريون والعراقيون والإيرانيون وغيرهم ممن حملوا قضايا بلدانهم إلى المنافي مظاهرات شبيهة.

للمفارقة فإن من يملكون ذاكرةً حاضرة عن القمع الذي عاشوه في بلادهم، هم أكثر من يعاني من عذابات المنفى. السوريون مثلاً لم يختبروا معنى التظاهر وحقيقته إلا في المنفى؛ فالمظاهرة في سوريا حرب مصيرية والمتظاهر مشروع شهيد. لكن الإحساس بالغربة كان موجوداً في بلادنا بفضل طغاة أجبرونا أن نغدو لاجئين! منفى مجازي أدّى إلى منفى واقعي.

فلماذا استيقظ شعور الغربة هنا؟ ألأننا قادرون في منفانا الواقعي على التعبير، أم لأنها صدمة التغيير والتحدّيات الجديدة. ولماذا يلحّ السؤال عن معنى المنفى وعذاباته؟ أبسبب ما اعتدنا سماعه عن عالم (شرير) اسمه المنفى، يقابله عالم (حنون) اسمه الوطن في جملة أفكار معلّبة سكنت أدمغتنا. لا أعتقد، فتلك الغربة الموحشة يمكن تخيلها قبل مئة عام مثلاً، بغياب سبل التواصل مع الأحباب، ليس في عصر الإنترنت حيث يمكن لرجل في القطب الشمالي أن يحضر ولادة ابنه في إفريقيا على الـSkybe.

على هذا لا يوجد شيء اسمه “المنفى” بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. وربما نحن الذين نخلق “منافينا” في دواخلنا ونقرّر إن كان ما نعيشه منفى أم لا! فاللغة الجديدة لا تعود مشكلة مع الوقت، القوانين تصبح مفهومة، والمرء قادر على بناء وسط اجتماعي، وقادر على اعتياد الأمكنة وبناء ذاكرة جديدة معها. لاسيما أن غالبيتنا يعيش الآن الكثير مما حلم به قبلاً من حرياتٍ شخصية وعامة، وما نواجهه هنا من سلبيات العيش واجهناه مضاعفاً في بلداننا.

ربما علينا اليوم إعادة تعريف الوطن كمكان متخيّل ميتافيزيقي. ليس قطعة أرض، ليس جغرافيا أو إثنية بل كذاكرة، ولأننا ببساطة كائنات من ذاكرة نحارب كي لا تمتصّنا الذاكرة نفسها كثقب أسود، ونوالد ذاكرتنا ونبنيها يومياً. فما اعتدنا عليه وسكّنا له قبلاً ليس الحياة كلّها. لا يمكن للحياة أن تتحدّد بمكان واحد وأشخاص معينين،

بل في أية بقعة ومع بشر وأمكنة مختلفة. كما لا يمكن أن تتحدّد بانتماء واحد، لأنها ستغدو ضيقة وفقيرة وأشبه

بسجن معنوي. الانفتاح على الانتماءات المختلفة وعلى الهويات المتباينة سيجعل من الحياة أغنى، وربما أعاد

تشكيل المنافي برؤى جديدة، كما أعاد تعريفها.

روزا ياسين حسن. روائية سورية مقيمة في ألمانيا

اقرأ أيضاً

“لم الشمل” والدستور الألماني

الآذار السابع من عمرنا السوري الثقيل

“الهوية الوطنية” الإشكالية المتجددة

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

Die Schwere des siebten syrischen Märzes

Khawla Dunya. Schriftstellerin aus Syrien Uns Syrerinnen und Syrern hat sich jedes Jahr im Monat März eine neue Tür geöffnet. So war unser März stets erfüllt von Trauer und Freude zugleich. Der Frühling kommt, öffnet die Fenster des Hauses und lässt Vorfreude aufkommen. Doch mit ...