الرئيسية » افتتاحيات » افتتاحية العدد 24: ألمانيا وسؤال التعدّدية الثقافية

افتتاحية العدد 24: ألمانيا وسؤال التعدّدية الثقافية

توماس هاينه*  قد لايختلف اثنان في أن ألمانيا بلد يضم ثقافات عديدة. يكفي أن يتجول المرء في شوارع المدن الكبرى بل وحتى بعض المدن الصغيرة ليصادف بشراً من خلفيات عدة متنوعة، يعيشون حياتهم بأنماط مختلفة.

لقد استوعبت الثقافة السائدة تأثيرات كثيرة تنسب إلى ثقافات أخرى، ونرى نتائج ذلك في ثقافة الطعام والموسيقى ومجالات أخرى غيرهما. يتماشى هذا مع ما ذهب إليه بعض الباحثين من القول إنّ الثقافة، أيّ ثقافة، هي دائماً نتاج لتأثيرات ومظاهر عديدة تتفاعل وتتمازج فيما بينها فهي دائماً متغيرة، وبالتالي لا يمكن تحديد ثقافة أصيلة.

لن أخوض في تعريف “الثقافة” حيث أن الآراء حولها تتباين أحياناً، وأرى أن المفهوم العام للثقافة، أي كما نستخدمه في الأحاديث الاعتيادية، يفي بالغرض. والحديث عن الثقافة وتعدد الثقافات، لاسيما في سياق موضوع الهجرة واللجوء، يطرح إشكاليات أراها مهمة ويجدر بالمهتمّين والفاعلين في الشؤون العامة وقضايا المجتمع التعامل معها بجدية.

من تلك الإشكاليات أن الحديث عن الثقافة بوجه عام وعن تعدد الثقافات على نحو خاص غالباً ما يقوم على فكرة وجود ثقافة ألمانية واحدة، أصيلة ومتجانسة من جهة، مقابل ثقافات توصف بأنها أجنبية أو غريبة على ألمانيا، ويمكن ملاحظة هذا المنحى من التفكير في النقاشات المتداولة. صحيح أنه توجد مظاهر ثقافية عديدة، أو منظومات قيمية معينة، أشترك فيها كألماني مع عدد لا بأس به من الألمان مهما كانت خلفياتهم، إلا أن هناك أيضاً أوساط اجتماعية واسعة لا تجمعني بها سوى صفة الجنسية الألمانية، في حين أنني كثيراً ما أجد اهتمامات وقيماً وأخلاقاً مشتركة تجمع بيني وبين أصدقائي من البلدان العربية مثلاً.

وأيضاً، يجري تناول موضوع الثقافة في الخطاب المجتمعي انطلاقاً من مفهوم الذات والآخر الذي هو “الغريب”، والنظر إلى كلّ منهما (الذات والآخر) بوصفه يمتلك ثقافةً ثابتة جامدة، بما يتنافى مع ديناميكية الثقافة نفسها، وهو ما قد يؤدي إلى نوعٍ من مماهاة الأفراد بطريقة مبالغ فيها مع ثقافات متخيلة.

ثمة إذن”ثقافات” متنوعة حتى داخل كل “ثقافة”، غير أنّ الفارق كبير بين الاكتفاء بتفاعل هذه الثقافات بصورة عفوية تقتضيها الحياة اليومية مثلاً، وبين الاحتفاء بقيم الانفتاح وتفاعل الثقافات وتمازجها فيما بينها، بصرف النظر عن الحدود المتخيلة والحواجز الوهمية. فأيهما نريد؟

توماس هاينه* مترجم وأكاديمي متخصص بالدراسات الشرقية

 

اقرأ أيضاً

الديمقراطية إذ تدافع عن نفسها

المحكومون بالخوف

استطعنا وفعلنا

عذراً، فأنت لاجئ “فوق المواصفات المطلوبة”

عن محرر الموقع

محرر الموقع
x

‎قد يُعجبك أيضاً

لتبقى الأبواب مفتوحة

قدر للأبواب أن تفتح، ليس بالضرورة أن تحقق التقاء مكانين فقد تكون وسيلةً لالتقاء أزمنة وأحياناً لصدامها، لكنها كانت دوماً معبراً يتجرأ البعض على الخطو خارجه، والبعض يعدو مبتعداً عما تركه خلفه أو لايكاد يخطو حتى يعود. جريدة أبواب استمرت بدعمٍ من قرّائها ومتابعيها، وجهود جميع من ...